أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حدود سلطة المرجع المختص في إنهاء خدمة الموظف المستكمل لشروط التقاعد المبكر


المحامي إسلام الحرحشي
مدير مكتب إحقاق للدراسات القانونية

حدود سلطة المرجع المختص في إنهاء خدمة الموظف المستكمل لشروط التقاعد المبكر

المحامي إسلام الحرحشي
المحامي إسلام الحرحشي
مدير مكتب إحقاق للدراسات القانونية
مدار الساعة ـ

ما هي حدود سلطة المرجع المختص في إنهاء خدمة الموظف المستكمل لشروط التقاعد المبكر وفقاً للمادة (100) من نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام

أولاً: المسألة القانونية:

تتمثل المسألة في تحديد نطاق السلطة التي منحها المشرع للمرجع المختص بالتعيين بموجب المادة (100/أ/2) من نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام، والتي تجيز له:

(إنهاء خدمة الموظف الخاضع لقانون الضمان الاجتماعي بناءً على طلبه أو دون طلبه إذا استكمل شروط الحصول على التقاعد المبكر)

والسؤال الجوهري هو:

هل مجرد استكمال الموظف لشروط التقاعد المبكر يمنح المرجع المختص سلطة مطلقة في إنهاء خدمته، أم أن هذه السلطة تقديرية ومقيدة بضوابط ومعايير موضوعية يمكن إخضاعها للرقابة القضائية؟

ثانياً: التمييز بين حالتين مختلفتين في المادة (100):

المشرع استخدم في الفقرة (أ) من المادة (100) صياغتين مختلفتين تماماً.

ففي البند (1) قرر:

(تنهى خدمة الموظف ... إذا أكمل الستين من عمره للموظف وخمسٍ وخمسين سنة للموظفة)

أما في البند (2) فقد استخدم:

(يجوز للمرجع المختص بالتعيين إنهاء خدمة الموظف ... إذا استكمل شروط الحصول على التقاعد المبكر)

وهذا الاختلاف في الألفاظ له أثر قانوني واضح.

فبلوغ السن المحددة في البند (1) يرتب أثراً قانونياً محدداً هو انتهاء الخدمة.

أما استكمال شروط التقاعد المبكر في البند (2) فلا يرتب انتهاء الخدمة حتماً، وإنما ينشئ (إمكانية قانونية) للمرجع المختص بأن ينهي الخدمة، ومن ثم استكمال شروط التقاعد المبكر لا يساوي وجوب إنهاء الخدمة، بل يعني أن المرجع أصبح يملك (سلطة تقديرية في استعمال هذه الصلاحية).

ثالثاً: الحكم رقم (3) لسنة 2023 للمحكمة الإدارية العليا:

إن هذا الحكم يمثل سابقة قضائية مهمة في هذه المسألة؛ فالقضية كانت تتعلق بموظف في وزارة التربية والتعليم جرى إنهاء خدمته بعد استكماله شروط التقاعد المبكر، حيث كان قد تجاوز الخمسين وبلغ مجموع اشتراكاته في الضمان الاجتماعي (324) اشتراكاً.

وكان الموظف قد طعن في القرار، ومن أسباب طعنه الدفع بوجود (عيب السبب ومخالفة القانون وإساءة استعمال السلطة)، فضلاً عن القول بأن إنهاء خدمته جاء بصورة منفردة وفي ظل ظروف وصفها بالظلم والتشويه.

وقد بحثت المحكمة النص المقابل في نظام الخدمة المدنية رقم (9) لسنة 2020، والذي كان يجيز للمرجع المختص بالتعيين إنهاء خدمة الموظف المستكمل لشروط التقاعد المبكر (بناءً على تنسيب اللجنة).

وانتهت المحكمة إلى صحة القرار في الواقعة المعروضة عليها، لكونه صدر عن صاحب الصلاحية وبناءً على تنسيب لجنة الموارد البشرية، ولعدم ثبوت أن القرار صدر بناءً على بواعث شخصية أو انتقامية.

وهذه النتيجة مهمة جداً:

لأن المحكمة (لم تقرر حصانة القرار الإداري) لمجرد تحقق شروط التقاعد المبكر، بل ناقشت صراحة الدفع بإساءة استعمال السلطة، ولم تجد دليلاً يثبتها في الحالة المعروضة.

وبالتالي فإن الحكم لا يؤسس لقاعدة:

(استكمال شروط التقاعد المبكر = حق مطلق للإدارة في إنهاء الخدمة)

وإنما يؤيد قاعدة أكثر دقة:

(استكمال شروط التقاعد المبكر يتيح للمرجع المختص استعمال سلطة تقديرية في إنهاء الخدمة، مع بقاء القرار خاضعاً للرقابة القضائية على مشروعيته وعدم إساءة استعمال السلطة)

رابعاً: أين تكمن المشكلة في النص الحالي؟:

المشكلة ليست في منح الإدارة سلطة تقديرية؛ فالإدارة تحتاج بالفعل إلى قدر من المرونة في إدارة مواردها البشرية.

لكن المشكلة في أن النص منح السلطة دون أن يحدد (معيار استعمالها)؛ فالنص حدد الشرط، وهو (أن يكون الموظف مستكملاً لشروط التقاعد المبكر)، لكنه لم يحدد المعيار، وهو (متى يكون إنهاء خدمته محققاً للمصلحة العامة؟)، ولم يحدد:

- هل تكون الأولوية لمن تجاوز سناً معينة؟

- هل تكون الأولوية لمن أمضى مدة أطول في الخدمة؟

- هل يرتبط القرار بحاجة الدائرة إلى الموظف؟

- هل يؤخذ الأداء الوظيفي بعين الاعتبار؟

- هل تؤخذ ندرة التخصص في الاعتبار؟

- هل يؤخذ فائض الموظفين في الوحدة التنظيمية بعين الاعتبار؟

- هل يجب وجود خطة لإعادة هيكلة الموارد البشرية؟

- هل يجب أن يكون القرار جزءاً من خطة إحلال وتجديد؟

- هل يجب تطبيق معيار موحد على جميع الموظفين؟

- هل يجب تسبيب القرار؟

وهذه الأسئلة لا يقدم النص الحالي إجابة صريحة عنها.

خامساً: خطورة ترك السلطة بلا معيار:

عندما يكون أمام الإدارة عشرات الموظفين المستكملين لشروط التقاعد المبكر، ثم تمنح صلاحية اختيار بعضهم وإنهاء خدمتهم والإبقاء على الآخرين، فإن غياب معيار معلن قد يؤدي إلى (انتقائية في استعمال السلطة).

وهنا تظهر مخاطر:

- المحاباة.

- الواسطة.

- التمييز.

- تصفية الحسابات.

- معاقبة الموظف خارج الإطار التأديبي.

- الانتقائية في تطبيق النص.

وهذه ليست مخاطر نظرية فقط؛ لأن السلطة التقديرية الواسعة تصبح أكثر قابلية للانحراف كلما غابت عنها معايير موضوعية قابلة للتحقق.

ولهذا فإن أفضل حماية ليست فقط في رقابة القضاء بعد صدور القرار، وإنما في (وضع معيار مسبق يلزم الإدارة عند اتخاذ القرار).

سادساً: هل يجب أن يكون القرار مسبباً؟:

أرى أن التعديل التشريعي يجب أن يجعل التسبيب إلزامياً صراحة.

فلا يكفي أن يصدر القرار بعبارة:

(إنهاء خدمة الموظف لاستكماله شروط التقاعد المبكر).

لأن هذه العبارة تثبت تحقق الشرط فقط، ولا تكشف:

- لماذا اختير هذا الموظف؟

- وما المصلحة العامة التي اقتضت إنهاء خدمته؟

- وما المعيار الذي تم تطبيقه عليه؟

لذلك يجب أن يتضمن القرار بياناً واضحاً للسبب الذي جعل الإدارة تستعمل صلاحيتها في هذه الحالة تحديداً.

سابعاً: المعيار المقترح لاستعمال السلطة:

أقترح ألا يكون المعيار واحداً جامداً، وإنما (مجموعة معايير موضوعية)، بحيث يكون القرار مبنياً على المصلحة العامة وليس على إرادة المسؤول.

ومن أهم هذه المعايير:

1. حاجة الدائرة إلى الوظيفة:

إذا كانت الوظيفة لم تعد مطلوبة أو يوجد فائض في شاغليها، يكون ذلك سبباً موضوعياً لإنهاء الخدمة.

2. خطة إعادة الهيكلة:

إذا كانت الدائرة بصدد إعادة هيكلة أو إعادة توزيع للموارد البشرية، يجب أن يكون إنهاء الخدمة جزءاً من خطة واضحة.

3. توفر البديل:

لا سيما في الوظائف التي لا تتطلب تخصصاً نادراً.

4. ندرة التخصص:

يجب ألا تؤدي الإحالة إلى فقدان خبرة أو تخصص يصعب تعويضه إذا كانت حاجة المرفق قائمة إليه.

5. مدة الخدمة والعمر:

يمكن أن تكون مدة الخدمة والعمر من المعايير المفاضلة، ولكن ليس باعتبارها سبباً وحيداً.

6. التقييم الوظيفي:

يمكن النظر إلى الأداء الوظيفي ضمن منظومة المعايير، دون تحويل التقاعد المبكر إلى أداة عقابية.

7. المساواة بين الموظفين:

إذا كان عدد من الموظفين في الوضع القانوني ذاته، يجب أن يطبق عليهم معيار موحد يمكن التحقق منه.

8. المصلحة العامة:

يجب أن تكون هي (المظلة النهائية) التي تبرر استعمال الصلاحية.

ثامناً: التوصية التشريعية:

أقترح تعديل المادة (100/أ/2) بحيث لا تكتفي بعبارة «يجوز»، وإنما تحدد كيفية ممارسة هذه الصلاحية.

النص المقترح:

(2- يجوز للمرجع المختص بالتعيين إنهاء خدمة الموظف الخاضع لقانون الضمان الاجتماعي، بناءً على طلبه أو دون طلبه، إذا استكمل شروط الحصول على التقاعد المبكر، شريطة أن يكون إنهاء الخدمة يحقق المصلحة العامة وحاجة الدائرة وإدارة مواردها البشرية، وأن يستند القرار إلى معايير موضوعية ومعلنة تحدد بموجب تعليمات تصدر لهذه الغاية، وأن يكون القرار مسبباً، وبما يراعي مبدأ المساواة وعدم التمييز وعدم إساءة استعمال السلطة).

أو

(2- يجوز للمرجع المختص بالتعيين إنهاء خدمة الموظف الخاضع لقانون الضمان الاجتماعي، بناءً على طلبه أو دون طلبه، إذا استكمل شروط الحصول على التقاعد المبكر، إذا اقتضت ذلك مصلحة الدائرة وحاجتها الفعلية إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية أو إعادة توزيعها أو وجود فائض في الوظائف، وبناءً على تنسيب لجنة الموارد البشرية وفق معايير موضوعية ومعلنة تحدد بتعليمات لهذه الغاية، على أن يكون القرار مسبباً، وأن يراعى فيه مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وعدم إساءة استعمال السلطة).

وأرى أن هذه الصياغة الثانية أكثر حماية للموظف وأكثر حماية للإدارة في الوقت ذاته.

تاسعاً: لماذا أفضّل إضافة «بناءً على تنسيب لجنة الموارد البشرية»؟

إن حكم المحكمة الإدارية العليا المشار إليه مهم هنا تحديداً؛ ففي هذه القضية التي نظرتها المحكمة الإدارية العليا كان القرار قد صدر بعد تنسيب لجنة الموارد البشرية، وقد أشارت المحكمة إلى هذا التنسيب باعتباره جزءاً من الإطار الذي استند إليه القرار.

لذلك من الأفضل في النظام الحالي ألا تترك عملية اختيار الموظف للإنهاء لإرادة المرجع المختص وحده، بل يجب أن تكون هناك (لجنة موارد بشرية) تقدم تنسيباً مبنياً على معايير محددة.

وبذلك تصبح العملية:

(شروط التقاعد المبكر - دراسة حاجة الدائرة - تطبيق المعايير - تنسيب لجنة الموارد البشرية - قرار المرجع المختص - تسبيب القرار).

وهذه سلسلة أكثر شفافية وأقل عرضة للتعسف.

عاشراً: ضرورة إصدار تعليمات خاصة:

لا يكفي تعديل المادة إذا بقيت المعايير غامضة؛ لذلك أوصي بأن يصدر بموجب النظام تعليمات خاصة بإنهاء خدمة الموظف المستكمل لشروط التقاعد المبكر تتضمن جدولاً واضحاً للمعايير.

مثلاً:

المعيار: حاجة الدائرة للوظيفة

الغاية: منع إنهاء خدمة موظف تحتاجه الإدارة

المعيار: وجود فائض وظيفي

الغاية: تحديد الحالات التي تستدعي الإنهاء

المعيار: ندرة التخصص

الغاية: حماية الوظائف والخبرات النادرة

المعيار: خطة إعادة الهيكلة

الغاية: ربط القرار بخطة مؤسسية

المعيار: مدة الخدمة

الغاية: تحقيق معيار موضوعي للمفاضلة

المعيار: العمر

الغاية: عنصر من عناصر المفاضلة

المعيار: الأداء الوظيفي

الغاية: تقييم موضوعي عند الحاجة

المعيار: المساواة

الغاية: منع الانتقائية

المعيار: المصلحة العامة

الغاية: الأساس النهائي للقرار

المعيار: التسبيب

الغاية: تمكين الموظف والقضاء من الرقابة

الحصيلة القانونية:

يمكن صياغة الموقف القانوني النهائي على النحو الآتي:

أ. إن الصلاحية الممنوحة للمرجع المختص بالتعيين بموجب المادة (100/أ/2) من نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام ليست صلاحية مطلقة، وإنما هي سلطة تقديرية مناطها استكمال الموظف لشروط التقاعد المبكر، ويظل استعمالها خاضعاً لمبادئ المشروعية والمساواة وعدم إساءة استعمال السلطة. وقد أكد الحكم رقم (3) لسنة 2023 الصادر عن المحكمة الإدارية العليا أن القرار محل الطعن كان مشروعاً في الواقعة المعروضة عليه لصدوره عن صاحب الصلاحية وبناءً على تنسيب لجنة الموارد البشرية، ولعدم ثبوت البواعث الشخصية أو الانتقامية.

ب. إلا أن النص الحالي لا يحدد معياراً موضوعياً لاختيار الموظف الذي تنهي خدمته من بين الموظفين المستكملين لشروط التقاعد المبكر، الأمر الذي يوسع نطاق السلطة التقديرية ويزيد من احتمالات الانتقائية في التطبيق. ومن ثم نوصي بتعديل النص بحيث يرتبط استعمال هذه الصلاحية بالمصلحة العامة وحاجة الدائرة الفعلية وإدارة مواردها البشرية، وأن يستند إلى معايير موضوعية ومعلنة، وبناءً على تنسيب لجنة الموارد البشرية، مع إلزام الجهة المختصة بتسبيب قرار إنهاء الخدمة، بما يكفل حماية الموظف من التعسف ويحمي الإدارة في الوقت ذاته من الطعون الناشئة عن غموض معايير الاختيار.

مدار الساعة ـ