لا يمكن بأي حال من الأحوال مقاربة اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي جمعت ثلاثا من الدول الكبرى في الإقليم؛ السعودية وتركيا وباكستان، باتفاقية حلف الناتو.
ثمة فوارق هائلة بين الاتفاقيتين، لا تدع مجالا للمقارنة. وهي في مرحلتها الأولى لا تزيد عن كونها إطارا تنسيقيا، يمكن البناء عليه مستقبلا إذا ما توفرت الإرادة لدى أضلاعه الثلاثة.لكن في الخطوة غير المسبوقة بتاريخ العلاقة بين هذه الدول، ما يؤكد أن الإقليم الذي عرفناه قبل أحداث السنوات الثلاث الأخيرة، قد تغير بشكل كبير، وهو على طريق تحولات أخرى قادمة لا تعرف مدياتها.لقد عصفت التطورات التي شهدها الإقليم منذ السابع من أكتوبر 2023 بالأسس التي قامت عليها العلاقات بين دوله وقواه الكبرى. وأيا يكن الموقف من ذاك الحدث الاستثنائي، فإن أحدا من المراقبين لا يستطيع الإنكار بأنه أسس لمرحلة تاريخية جديدة في الشرق الأوسط، كان لها وقعها العنيف والعميق.هزت الأحداث التي وقعت في هذه السنوات منطق التحالفات والعلاقات والمواقف الإستراتيجية لعديد دول، قبل أن تبلغ حد المواجهة العسكرية المفتوحة على كل الاحتمالات.الاتفاق الدفاعي الثلاثي، وقد يصبح رباعيا حال صدقت توقعات الوزير فيدال بانضمام مصر، هو أحد الارتدادات السياسية والأمنية على الأحداث التي شهدها الإقليم، والتقاء فريد من نوعه لمصالح عواصمه التي وجدت نفسها في قلب التطورات الكبرى.لم تكن باكستان قريبة إلى هذا الحد من مشاكل الإقليم ومتاعبه، غير أن توابع الأزمة مع الهند وتحالفها مع إسرائيل، دفعها للانخراط في البيئة الشرق أوسطية. ثم جاءت الحرب على إيران، لتمنحها فرصة دبلوماسية غير مسبوقة.الاقتصاد الباكستاني المنهك، حاضر بقوة في مشهد التحالف.تركيا كانت منذ اليوم الأول، وحتى قبل أحداث السابع من أكتوبر، تخوض معركة النفوذ الإقليمي. وجاءت التطورات في سورية لتعطيها مقعدا دائما في مجلس أمن الشرق الأوسط. التدهور الخطير في علاقات أنقرة مع تل أبيب، والأزمة الاقتصادية الناجمة عن حرب إيران، وجملة التحولات الجيوسياسية التي أصابت قطاعات الطاقة والنقل في المنطقة، عززت من حضور تركيا في المشهد، ووثقت علاقاتها مع السعودية وعديد دول الخليج العربي والمنطقة.الرياض ووسط كل هذه التحولات الهائلة على حدودها والتهديدات التي طالت أراضيها بفعل الحرب المشتعلة في الخليج، سارعت في البداية إلى إبرام اتفاق دفاع مشترك مع باكستان؛ القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وبنت على هذه الخطوة، لاستقطاب تركيا لاحقا، لبناء ما يمكن وصفه، فريق المؤسسين كمقدمة لتوسيع هذا التحالف في وقت لاحق، كما قال وزير الخارجية التركي.عمليا التحالف الثلاثي في مرحلة الولادة بعد، ولا يمكن التكهن بمصيره بعد سنوات. وهو ليس بديلا عن التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، لكنه يبعث برسالة لواشنطن تحمل في طياتها تعبيرا عميقا عن خيبة الأمل من سلوك إدارتها حيال الحلفاء في الشرق الأوسط. وهو بلا شك رسالة لليمين المتطرف الحاكم في إسرائيل، والذي بدوره يستشعر الخطر الجدي مما سماها نتنياهو المحور السني المعادي لإسرائيل.طهران ليست مستثناة من رسائل "مكة" وإن لم تكن الطرف المستهدف في التحالف، كما يقول الأتراك، لكنها بالنسبة للسعودية، مصدر التهديد الأول في الوقت الحالي.على المدى المنظور، ستوظف الدول الثلاث الاتفاقية لتوسيع أشكال التعاون في المجالات السياسية والدفاعية والأمنية، والاقتصادية، وتقديم الدعم اللوجستي في حالات الطوارئ عند الطلب، ليس أكثر.ما هو ثابت حتى الآن أن منظومتي التعاون الدفاعي العربي والخليجي، تراجعتا لحساب التحالف الإقليمي.اتفاقية مكة.. أسئلة الأمن الإقليمي
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ