أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الدولة أولًا.. ثم الباقي


فهد الحسبان

الدولة أولًا.. ثم الباقي

مدار الساعة ـ

أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى أن نميز بين أمرين يجري الخلط بينهما كثيرًا: نقد الحكومة، وإضعاف الدولة.

أنا شخصيًا مع محاربة الفساد، ومع كشف أي تجاوز، ومع محاسبة كل مسؤول يثبت فساده أو تقصيره. ومع حق المواطن أن يغضب، وأن يسأل، وأن يعارض، وأن يرفض سياسات الحكومة، وأن يطالب بتغييرها. هذه ليست مواقف ضد الدولة، بل هي جزء طبيعي من الحياة السياسية.

لكن ما يقلقني هو أن يتحول هذا النقد، عبر بعض صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي، من نقد لأداء الحكومة والمسؤولين إلى خطاب يومي يضعف شعور المواطن تجاه الدولة نفسها.

هناك فرق كبير بين أن تقول إن مسؤولًا فاسد ويجب أن يحاسب، وبين أن تجعل المواطن يعتقد أن كل مسؤول فاسد. وبين أن تنتقد مؤسسة لأنها أخطأت، وبين أن تقنع الناس بأن المؤسسات كلها عاجزة وفاسدة. وبين أن تختلف مع حكومة، وبين أن يصبح الخطاب العام قائمًا على فكرة أن الدولة نفسها هي المشكلة.

هذه ليست مجرد طريقة مختلفة في التعبير. هذه قضية سياسية.

لأن المواطن عندما يرى يوميًا عشرات المنشورات عن الفساد والفشل والواسطة وسوء الإدارة، ويجد كل قصة مرتبطة بأخرى، وكل مسؤول متهمًا، وكل مؤسسة موضع شك، فإنه في النهاية لن يتعامل معها كقضايا منفصلة. ستتكون لديه صورة عامة عن الدولة، وهذه الصورة قد تكون أخطر من أي قضية منفردة.

المشكلة هنا ليست أن المواطن أصبح غاضبًا، فالغضب طبيعي، وأحيانًا ضروري.

المشكلة عندما يتحول الغضب إلى قناعة بأن لا شيء يمكن إصلاحه، وأن لا مؤسسة تستحق الثقة، وأن الجميع سواء، وأن الدولة كلها منظومة فساد. عندها لا نكون قد قوينا المواطن.

لأن المواطن الذي يختلف مع حكومة يستطيع أن يطالب بتغييرها، والذي يرفض قرارًا يستطيع أن يعترض عليه، والذي يرى فسادًا يستطيع أن يطالب بمحاسبة مرتكبه. لكن ماذا يفعل المواطن عندما نقنعه بأن كل المؤسسات فاسدة، وأن القانون لا يحميه، وأن لا جدوى من المشاركة أو المحاسبة؟

هنا نكون قد أخذنا المواطن من السياسة إلى اليأس.

لا احد يريد العيش في دولة لا تنتقد حكومتها، ولا يريد احد دولة تطلب من المواطن أن يصفق لكل ما تفعله. الدولة القوية بالنسبة لي هي التي تتحمل النقد، وتواجه الأسئلة، وتعترف بالخطأ، وتحاسب الفاسد، وتقدم المعلومات للناس.

لكنني أيضًا لا أريد أن أعيش في مجتمع يصبح فيه كره الدولة شرطًا للمعارضة، أو يصبح فيه التشكيك بكل مؤسساتها دليلًا على الوعي السياسي.

هذه الدولة ليست ملك الحكومة، هذه الدولة لنا جميعًا.

الحكومة ستذهب، والوزير سيغادر، والمسؤول الذي أخطأ سيُحاسب أو يستبدل، لكن المؤسسات التي نضعف الثقة بها اليوم ستبقى هي نفسها التي سنحتاج إليها غدًا.

نحن بحاجة إلى قضاء قوي عندما نختلف، وإلى مؤسسات رقابية عندما نشك، وإلى إدارة عامة عندما نحتاج خدمة، وإلى مؤسسات سياسية عندما نريد تغييرًا. ولذلك فإن ضرب الثقة بكل هذه المؤسسات لا يمكن أن يكون انتصارًا للمواطن.

ومن هنا، فإن بعض الصفحات التي تصنع المزاج العام عليها أن تدرك أن دورها لم يعد مجرد نشر خبر. عندما يكون لديك جمهور كبير، فأنت تؤثر في طريقة الناس في فهم ما يحدث حولهم. وعندما تختار دائمًا الجانب الأكثر سلبية من الصورة، وتعيد نشره وتضخمه وتربطه بكل شيء، فأنت لا تنقل الواقع فقط؛ أنت تساهم في تشكيله داخل عقول الناس.

لا أقول إن كل صفحة لها أجندة، ولا كل من ينتقد الحكومة يعمل ضد الدولة. هذا كلام غير مسؤول ويحتاج إلى أدلة. لكن أيضًا لا يمكن أن نكون ساذجين ونعتقد أن التأثير في وعي الناس وثقتهم ومزاجهم لم يعد جزءًا من الصراع السياسي.

السؤال الذي يجب أن نسأله ليس فقط: من يقف خلف هذه الصفحة؟ السؤال الأهم: إلى أين يقود خطابها؟

إذا كان يقود المواطن إلى كشف الفساد والمطالبة بالمحاسبة، فهذا مطلوب. وإذا كان يدفعه إلى المشاركة والضغط والإصلاح، فهذا جزء من العمل السياسي. أما إذا كانت النتيجة أن المواطن أصبح يرى وطنه من خلال أسوأ ما فيه فقط، وأنه فقد ثقته بكل مؤسسة وبكل شخص وبكل إمكانية للإصلاح، فهنا علينا أن نتوقف ونسأل: من المستفيد من صناعة هذا الشعور؟

في النهاية، الحكومة مؤقتة، أما الدولة فباقية. ولهذا فإنني سأبقى منحازًا إلى حق المواطن في النقد والمحاسبة، ومنحازًا في الوقت نفسه إلى دولة.

مدار الساعة ـ