أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لماذا نعيد إنتاج التخلف؟


وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني

لماذا نعيد إنتاج التخلف؟

وليد الهباهبة
وليد الهباهبة
كاتب وصحفي أردني
مدار الساعة ـ

ظل سؤال التخلف يطارد العقل العربي منذ عقود: لماذا تأخرنا بينما تقدّم غيرنا؟ ولماذا بقيت دول عربية كثيرة تراوح مكانها، رغم انتهاء الاستعمار المباشر، وتوافر الثروات والموارد، وتبدل الحكومات والسياسات والشعارات؟

طوال هذه السنوات، تعددت الإجابات. مرةً وُضع اللوم على الاستعمار، ومرة على الاستبداد، ومرة على التعليم، ومرة على ضعف المؤسسات، ومرة على الاقتصاد، ومرة على الإنسان نفسه.

لكن المشكلة ربما لا تكمن في غياب الإجابات، بقدر ما تكمن في أننا كثيرًا ما تعاملنا مع التخلف باعتباره نتيجة، ولم نتعامل معه بوصفه عملية مستمرة تعيد إنتاج نفسها. فالفقر ليس التخلف كله، والبطالة ليست التخلف، وضعف الناتج ليس التخلف. هذه مظاهر له. أما السؤال الأكثر إلحاحًا فهو: ما الذي يجعل مجتمعًا ما ينتج الفقر والبطالة وضعف الإنتاج والاعتماد على الخارج مرة بعد أخرى؟

يمكن لدولة أن تمتلك النفط والغاز والأراضي والثروات الطبيعية، لكنها تظل عاجزة عن إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقيمة المضافة، ويمكن لدولة أخرى أن تفتقر إلى الموارد الطبيعية، لكنها تبني اقتصادًا منتجًا ومؤسسات فعالة وتعليمًا متقدمًا.. إذن، لا تكفي وفرة الموارد لتفسير التقدم، كما لا يفسر نقصها وحده التخلف.

المشكلة في مكان آخر: في كيفية تحويل الموارد إلى إنتاج، والإنتاج إلى معرفة، والمعرفة إلى قوة اقتصادية، والقوة الاقتصادية إلى قدرة على الاستقلال في القرار.

لا يمكن تجاهل أثر الاستعمار في تشكيل الاقتصادات العربية وإعادة ترتيبها بما يخدم مصالح القوى الاستعمارية. كما لا يمكن تجاهل استمرار علاقات القوة غير المتكافئة في الاقتصاد العالمي، فخروج الاستعمار العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء كل أشكال التبعية، كما أن الاقتصاد العالمي قادر على إعادة إنتاج علاقات المركز والأطراف بأشكال جديدة. لكن التوقف عند هذه النقطة وحدها يضعنا أمام مشكلة أخرى؛ فإذا كان الخارج هو السبب الوحيد، فكيف نفسر تجارب دول خرجت من الاستعمار وفي ظروف صعبة، ثم استطاعت بناء اقتصادات قوية ومؤسسات فعالة؟ وكيف نفسر تفاوت النجاح بين دول تتشابه في التاريخ والموارد والظروف الإقليمية؟

في هذا الجانب طرح مالك بن نبي أن ينقل النقاش من سؤال: ماذا فعل بنا الآخرون؟ إلى سؤال أكثر قسوة: ماذا فعلنا نحن بأنفسنا؟

ليست المشكلة في الإنسان العربي باعتباره عاجزًا أو أقل قدرة من غيره، وإنما في البيئة الثقافية والاجتماعية التي قد تنتج إنسانًا ينتظر الحل بدل أن يصنعه، ويستهلك المعرفة بدل إنتاجها، ويبحث عن الوظيفة بدل خلق القيمة، ويطالب بالإصلاح لكنه يقاوم في أحيان كثيرة شروطه.

وهنا تتقاطع أفكار بن نبي مع سؤال التخلف الاقتصادي، فلا يمكن بناء اقتصاد منتج بعقلية ريعية، ولا دولة حديثة بعقلية تقاوم المساءلة، ولا مجتمع معرفة بتعليم يقوم على الحفظ والتلقين، ولا تنمية حقيقية بمؤسسات تخشى الكفاءة وتكافئ الولاء على حساب الإنجاز.

المشكلة الأخطر أن التخلف، عندما يطول، لا يعود مجرد عجز مؤقت. إنه يتحول إلى منظومة مصالح وعادات ومؤسسات وأفكار تحافظ على نفسها.

اقتصاد ضعيف يحتاج إلى الاستيراد، والاستيراد يضعف الإنتاج المحلي، وضعف الإنتاج يزيد البطالة، والبطالة تدفع إلى البحث عن الوظيفة الحكومية، وتضخم القطاع العام يضغط على المالية العامة، وضعف المالية يحد من الاستثمار، وقلة الاستثمار تعيد إنتاج ضعف الإنتاج، وهكذا تدور الحلقة.

وفي التعليم، يحدث الشيء نفسه: تعليم ضعيف ينتج مهارات محدودة، ومهارات محدودة تنتج اقتصادًا منخفضَ القيمة، واقتصادٌ منخفضُ القيمة لا يحتاج إلى مهارات عالية، فيستمر التعليم في إنتاج المخرجات نفسها. هنا لا يعود التخلف نتيجةً فقط؛ بل يصبح آلية لإنتاج المزيد من التخلف.

ربما نحتاج إلى تغيير السؤال؛ بدل أن نسأل: كيف نرفع الدخل؟ نسأل: كيف نزيد الإنتاج؟

وبدل أن نسأل: كيف نوفر الوظائف؟ نسأل: كيف نخلق اقتصادًا ينتج وظائف ذات قيمة؟

وبدل أن نسأل: كيف نستقطب الاستثمار؟ نسأل: ماذا نريد من الاستثمار أن ينتج، وما القيمة التي ستبقى داخل الاقتصاد؟

وبدل أن نسأل: كم جامعة لدينا؟ نسأل: ماذا تنتج جامعاتنا من معرفة وابتكار؟

فالدولة التي تستورد التكنولوجيا وتصدّر المواد الخام أو العمالة، وتستهلك المعرفة ولا تنتجها، وتستورد معظم احتياجاتها الأساسية، قد تبدو في ظاهرها جزءًا من الاقتصاد العالمي، لكنها تظل في موقع ضعيف داخله.

ليس من الحكمة أن نختار بين تفسيرين: الاستعمار أم المسؤولية الداخلية؛ فالواقع أكثر تعقيدًا.

هناك نظام عالمي غير متكافئ، وهناك تاريخ استعماري ترك آثارًا عميقة، وهناك علاقات اقتصادية وسياسية دولية تؤثر في فرص الدول، لكن هناك أيضًا قرارات داخلية، ومؤسسات، ونخب، وأنظمة تعليم، وسياسات اقتصادية، وثقافة اجتماعية.

والدول التي تريد الخروج من التخلف لا تستطيع تغيير العالم كله قبل أن تبدأ بتغيير شروطها الداخلية.

لا يمكن أن نطالب العالم باحترام اقتصاد لا ينتج، ولا يمكن أن نطالب الآخرين بنقل التكنولوجيا إلينا بينما لا نملك مؤسسات قادرة على تطويرها، ولا يمكن أن نلوم الخارج على كل إخفاق بينما نعجز عن إصلاح مدرسة أو جامعة أو مؤسسة أو نظام إداري.

ربما يكون أخطر ما أنتجه التخلف هو عقلية التخلف نفسها.

عقلية تبحث دائمًا عن المسؤول خارجها، وتفسر الفشل بالمؤامرة، والنجاح بالصدفة، والإصلاح بالشعارات. لكن النهضة تبدأ عندما يتحول السؤال من: من المسؤول عن تخلفنا؟ إلى: ما الآليات التي تعيد إنتاج تخلفنا، وكيف نكسرها؟

هذا السؤال لا يلغي مسؤولية الاستعمار، ولا ينكر اختلال النظام الاقتصادي العالمي، لكنه يضعنا أمام مسؤوليتنا التاريخية؛ فالنهضة ليست قرارًا إداريًا، ولا خطة حكومية، ولا مشروعًا اقتصاديًا منفردًا. إنها تحول في طريقة إنتاج الإنسان للمعرفة، والمجتمع للقيمة، والدولة للمؤسسات، والاقتصاد للثروة.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا تخلفنا؟ بل السؤال الأصعب: لماذا، بعد كل ما عرفناه عن أسباب التخلف، ما زلنا نعيد إنتاج أسبابه؟

عندما نمتلك شجاعة الإجابة عن هذا السؤال، نكون قد بدأنا بالفعل أول خطوة في طريق النهضة.

مدار الساعة ـ