أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حين يصبح التأقلم عبئًا


أروى خلف الخزاعلة

حين يصبح التأقلم عبئًا

مدار الساعة ـ

ماذا لو لم يكن الفرد نفسه هو المشكلة دائمًا… بل البيئة والأشخاص الذين يحاول مرارًا أن يتأقلم معهم ؟

إن التكيف لا يعني دائمًا علامة على القوة، فقد يعتاد الإنسان أحيانًا على ما يؤذيه حتى يظنه طبيعيًا. نعيش وسط ضغوط نصنع بعضها بأنفسنا، ويصنع بعضها الآخر المجتمع والعلاقات ونمط الحياة، ثم نطالب أنفسنا بالتأقلم معها بدل أن نتساءل عن أثرها علينا ، فالتأقلم قد يكون وسيلة للبقاء، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى قبول دائم بالأذى. وبين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها دائرة متبادلة؛ نحن نؤثر فيها كما تؤثر فينا، وما نعتاد عليه اليوم قد يصبح جزءًا من الطريقة التي نصنع بها عالمنا غدًا.

كثيرًا ما نتعامل مع التعب النفسي، القلق، العزلة، والانهاك وكأنها مشكلات فردية تحتاج إلى إصلاح داخل الإنسان . لكن ماذا لو كان جزء من هذه المعاناة ناتجًا عن بيئة تضغط عليه باستمرار؛ أسرة لا تمنحه مساحة للتعبير، مجتمع يطالبه بأن يكون قويًا دائمًا، عمل يستنزفه، أو عالم رقمي يجعله يقارن حياته بغيره في كل لحظة؟ قد نعالج الأعراض نعم لكننا لا ننظر للأسباب وهذه هي المشكلة ...

الإنسان جزء لا يتجزأ من هذا العالم ولابد ان يجد نفسه فيه حتى يستمر بالعطاء ، لا ان يكون في حالة دفاع دائم عن نفسه ومعتقداته وأفكاره وأشياءه التي يحبها، فحين يصبح يرى الاختلاف واضحًا إلى الحد الذي يجعله يشعر بأن المكان ليس مكانه، او انه لا يشبه من حوله ،او ان ما يقدمه غير كافٍ ليصنع التغيير ،يُحبط وقد يصل به الأمر إلى الرغبة بالأنعزال عن الآخرين .ورغم هذا كله فهو لا يزال مستمر بالمقاومة والعطاء، ويحمّل نفسه فوق طاقتها حتى يبقى منسجمًا مع العالم ومن حوله، فيصبح هنا لا يواجه الظروف المادية فحسب ؛ بل يواجه ما هو أصعب منها من ظروف نفسية وازمات فكرية تتعارض مع منظوره للحياة فيستنزف نفسه محاولًا الوصول إلى صورة يرضى عنها الآخرون ، ناسيًا أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك وأن محاولة الانتماء بأي ثمن قد تجعل الإنسان يخسر ما هو أثمن : نفسه .

علينا أن نعلم بأن ليس كل ما اعتدناه صحيًا، وليس كل ما تأقلمنا معه يستحق أن نبقى فيه، فالإنسان قادر على التعايش مع الكثير من الأشياء ، حتى تلك الأزمات والضغوط التي تستنزفه بصمت ، فيبدأ في رؤيتها جزءًا طبيعيًا من حياته ويجب عليه تحملها والتأقلم معها ليتحول مع مرور الوقت الألم إلى عادة ، والضغط إلى نمط حياة. وربما تكمن المشكلة في أننا نخلط أحيانًا بين قدرتنا على التحمل وبين كون ما نتحمله مناسبًا لنا فنستمر في أماكن وعلاقات وأفكار تؤذينا فقط لأننا اعتدنا عليها .

ولعل الفارق الحقيقي وما نحتاجه أكثر من التأقلم هو تقبل الأختلاف ؛ اختلافنا عن الآخرين واختلاف الآخرين عنا، لأن ليس على الإنسان أن يشبه الجميع حتى يستحق مكانه بينهم ، هو فقط عليه أن يعرف متى يتكيف، ومتى يضع حدًا ، ومتى يقول : "هذا المكان لم يعد مناسبًا لي" ، وأحيانًا يكون التغيير أو الابتعاد أكثر صحة من الاستمرار في أماكن لا تشبهه.

ربما لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى أن يصبح أقوى، ولا إلى أن يتعلم كيف يتحمل أكثر، بل يحتاج أحيانًا إلى أن يجد مكانًا لا يضطر فيه إلى خوض معركة مستمرة لإثبات نفسه. فالتأقلم في جوهره وسيلة تساعدنا على الاستمرار، لكن حين يصبح ثمنه راحتنا، وأفكارنا، وقيمنا، وسلامنا الداخلي، يتحول إلى عبء. وربما يبدأ التغيير الحقيقي حين ندرك أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى تغيير ذاته ، بل يحتاج إلى بيئة أكثر قدرة على الفهم والاحتواء ؛ فمسؤولية الإنسان أن يطوّر نفسه ويتعلم كيف يتعايش مع الاختلاف، ومسؤولية البيئة ألا تجعله يدفع ثمن انتمائه بالتخلي عن ذاته.

ولعل ما نحتاجه هو أن نكون أكثر دعمًا وفهمًا لبعضنا ، لا أن نبقى مترقبين عثرات بعضنا وأخطائنا ؛ فالعالم لا يحتاج مزيدًا من الأماكن التي نخشى فيها أن نخطئ، بقدر ما يحتاج إلى أماكن نشعر فيها أننا نستطيع أن نكون أنفسنا دون خوف.

مدار الساعة ـ