مدار الساعة - كتب د.سفيان زريقات -
كثيرةٌ هي البطولات التي حفظتها كتب التاريخ وما اكثر الملاحم التي يتغنى بها الناس بعد أن يطويها الزمن. لكن هناك بطولات لا تجد طريقها إلى الكتب لأنها لا تُصنع من أجل المجد ولا تُؤدى طلباً للثناء بل تتكرر كل يوم بصمت حتى تصبح جزءاً من أخلاق الناس وطبيعتهم.هذا ما وجدته في أيل، إحدى بلدات محافظة معان.كنت برفقة زوجتي عائداً من رحلة داخلية فإذا بإطار سيارتنا يتعطل في طريق العودة ولم يكن بحوزتي إطار احتياطي ولا أدوات تمكنني من إصلاحه، وبدت المشكلة في تلك اللحظة أكبر مما تحتمله الطريق.لم تمض سوى دقائق حتى توقف شاب بزيه العسكري عرّفني بنفسه: علي سويلم النعيمات، وكان عائداً من عمله فهو ضابط في مديرية الدفاع المدني.سألني بهدوء:"تحتاج مساعدة؟"أخبرته بحقيقة الموقف، وأنني بحاجة إلى ونش يحمل السيارة إذ لا سبيل لإصلاحها في مكانها.ابتسم ابتسامة الواثق وقال عبارة لن أنساها ما حييت:"أنت في أيل… وأمورك محلولة"لم تكن جملة مجاملة بل كانت وعداً تحقق بعد دقائق.كان محمد موسى نعيمات ماراً بالطريق ترجل نحونا وكان مستعداً تمام الاستعداد ومعه اغلب العدد كأنه يتجول في المنطقة لمساعدة الناس، وتبعه محمد سليمان النعيمات الذي احضر باقي العدة وبدآ مباشرة بمحاولة معالجة المشكلة. وخلال وقت قصير، كان أهل البلدة يتوافدون واحداً تلو الآخر يعرض كل منهم المساعدة بصدق وكأن الأمر يعنيهم شخصياً.بل إنهم أصروا على أن ترافق زوجتي نساء البلدة حتى لا تبقى في حر الطريق، بينما اصطحبني الإخوة إلى أحد محلات إصلاح الإطارات.وصلنا إلى "أبو أحمد" البنشرجي، ولم يكن لديه إطار بالمقاس المطلوب وقال انه من المستحيل ايجاد هذا المقاس في كل المنطقة، ولكنهم اخبروه أن سيارتي تعطلت، وانني ضيف ايل وهنا بدأ أبو أحمد بكل ما اوتي من معرفة يبحث عن حل. وبخبرة السنين، استطاع إصلاح الإطار إصلاحاً آمناً أوصلني إلى أقرب مكان أتمكن فيه من استبداله.وخلال تلك الساعة لم يتركني علي سويلم النعيمات لحظة واحدة. كان يقدم الماء والعصير والطعام، ويطمئن عليّ باستمرار، بينما رفض محمد موسى ومحمد سليمان أن اشارك حتى في تركيب برغي لأن ضيوف ايل لا تمسهم ذرة غبار. غادرت أيل بعد ساعة ونيف.لكنني لم أغادرها كما دخلتها.دخلتها مسافراً تعطلت به مركبته، وغادرتها أحمل درساً في الشهامة، وكرماً لا تصنعه المناسبات، بل تصنعه التربية والأصل الطيب، المثير انهم لم يكتفوا بالفزعة بل اتصلوا بي لاحقاً للاطمئنان.سلامٌ على معان التي ما زالت تُعلّم الأجيال أن الشهامة ليست كلمة تُقال، بل فعلٌ يُمارس، وأن الفزعة ليست حدثاً استثنائياً، بل أسلوب حياة.هم لم يصلحوا اطار السيارة انما أعادوا ترميم صورة جميلة عن الإنسان الأردني.ولعل اقل ما يمكن أن يقال فيهم:عَمّانُ قَمْرٌ إنْ تَعَتَّمَ دَرْبُنايَهَبُ الدُّروبَ مِنَ الضِّياءِ نَهارُومَعانُ شَمْسٌ، أَيْلُ بَيْنَ رُبوعِهاعَرُوسٌ، تدورُ بِعُرْسِها الأقمارُوَلِيفي، إنْ ضاقَ الطَّريقُ فَسِرْ بِناصَوْبَ الجَنوبِ، فَصَمْتُهُ أَشْعارُصَوْبَ أَيْلٍ، يتراقص المَدَىوتَطيبُ في ظِلِّ الكِرامِ دِيارُوتظلُّ أَيْلٌ في الزمانِ كأنَّهافَجْرٌ، ويَحْرُسُ ضَوْءَهُ الأبرارُإنْ غابَ مِنْ أَهْلِ المَكارِمِ سَيِّدٌبَقِيَت على وَجْهِ الزمانِ آثارُأنت في أيل-معان وأمورك محلولة.. حين تكون الشهامة عنواناً
مدار الساعة ـ











