أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تصوّر لشكل مجالس الأمناء.. الخبرة الجامعية ورئاسة المجلس تصنعان الفارق


د.صهيب علي الهروط

تصوّر لشكل مجالس الأمناء.. الخبرة الجامعية ورئاسة المجلس تصنعان الفارق

مدار الساعة ـ

في ظل الاستحقاق القانوني لإعادة تشكيل مجالس أمناء الجامعات الرسمية، بعد انتهاء ولايتها القانونية في حزيران من العام الحالي، وبالتزامن مع التعديل التشريعي على قانون الجامعات، الذي خفّض عدد أعضاء مجالس الأمناء، تتجلى الحاجة إلى إعادة تشكيل هذه المجالس من جديد، ليس باعتبارها استحقاقاً قانونياً فحسب، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة النظر في طبيعة التشكيل، ومعايير اختيار الأعضاء، والخبرات التي ينبغي أن تتوافر فيها، بما ينسجم مع فلسفة التحديث ومتطلبات المرحلة المقبلة .

إن تشكيل مجالس أمناء الجامعات الرسمية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً إدارياً دورياً، أو مجرد إعادة توزيع للأسماء على مواقع مؤسسية، وإنما يفترض أن يكون جزءاً من منظومة أوسع تهدف إلى الارتقاء بأداء الجامعات، وتعزيز الرقابة على أدائها، وفتح المجال أمام خبرات قادرة على تقديم قيمة مضافة حقيقية.

ومن هنا، فإن قراءة التشكيلات الجديدة لمجالس الأمناء تستدعي التوقف عند سؤال أساسي: هل نحن أمام مجالس أمناء بالمعنى الذي أرادته فلسفة التحديث، أم أمام استمرار للنمط التقليدي نفسه؟

الجامعات ليست واحدة ، وبالتالي لا يمكن أن تكون احتياجاتها واحدة ، حيث يمكن تصنيف الجامعات الرسمية إلى قسمين، من حيث طبيعة المرحلة التي تمر بها وحاجتها إلى الخبرات داخل مجلس الأمناء.

فالجامعة الأردنية، واليرموك، ومؤتة، والجامعة الهاشمية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، هي مؤسسات أكاديمية كبيرة وذات تراكم إداري وأكاديمي ومالي واسع، وتحتاج، في تقديري، إلى مجالس أمناء تضم شخصيات لديها معرفة حقيقية وعميقة بالعمل الجامعي، وسبق لها أن عملت داخل الجامعات وتقلدت مناصب أكاديمية أو إدارية أو مالية فيها.

والقسم الثاني من الجامعات ؛ برغم أهميتها وقدرتها على صناعة الشكل التقني والمهني كما جامعة البلقاء التطبيقة والطفيلة التقنية والالمانية الاردنية تحتاج لمجالس ذات خبرة اقتصادية وتقنية كبيرة ، وبذات الوقت جامعات الحسين بن طلال وال البيت فهي بحاجة لمجالس قادرة على مساعدة الجامعات على النهضة في البنى التحتية والاستقطاب والتمويل والاستثمار .

وجود هذه الخبرات لا يعني أن يكون مجلس الأمناء بديلاً عن إدارة الجامعة أو أن يتدخل في تفاصيل العمل التنفيذي، وإنما أن يمتلك القدرة على قراءة الأداء العام للجامعة، وفهم مؤشراته، ومساءلة الإدارة حول النتائج، وليس فقط متابعة جدول أعمال الجلسات واتخاذ القرارات الروتينية.

فمجلس الأمناء القوي هو الذي يستطيع أن يسأل: أين الجامعة اليوم؟ وإلى أين تتجه؟ وما الذي تحقق من خطتها الاستراتيجية؟ وكيف تدار مواردها؟ وما مستوى قدرتها على المنافسة الأكاديمية والبحثية؟ وهل تنسجم برامجها مع احتياجات سوق العمل؟

وهذه الأسئلة تحتاج إلى أعضاء يمتلكون الخبرة والمعرفة، وليس فقط إلى أسماء تحمل وزناً اجتماعياً أو وظيفياً.

النقطة الثانية التي تستحق النقاش تتعلق بتكرار بعض الأسماء في مجالس الأمناء.

لا يتعلق الأمر هنا بتقييم الأشخاص أو التقليل من خبراتهم، وإنما بالسؤال عن فلسفة التغيير نفسها،

إذا كانت فلسفة تحديث الإدارة العامة تقوم على التجديد، واستقطاب الكفاءات، وإدخال أفكار جديدة، فإن استمرار الأسماء ذاتها في المواقع ذاتها أو المواقع المشابهة يطرح سؤالاً مشروعاً: هل حققت فلسفة التحديث غايتها في تشكيل مجالس الأمناء؟

فالخبرة مطلوبة، والاستمرارية في بعض الحالات قد تكون إيجابية، لكن الخبرة وحدها لا تكفي إذا لم تنتج عنها إضافة جديدة.

إعادة إنتاج التشكيلات السابقة قد تعني أننا نعيد إنتاج الأدوات نفسها، وبالتالي ننتظر نتائج مختلفة بالوسائل ذاتها.

والأصل أن يكون السؤال عند تشكيل أي مجلس أمناء: ما الإضافة التي سيقدمها هذا العضو تحديداً؟

ما الذي يملكه من خبرة؟ وما الذي يمكن أن يضيفه للجامعة؟ وما المجال الذي يحتاج إليه المجلس؟ وهل هناك تنوع حقيقي في الخبرات الأكاديمية والمالية والإدارية والقانونية والاستثمارية والاقتصادية؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من مجرد عدد الأسماء الجديدة أو القديمة.

أما النقطة الثالثة، وربما الأهم، فهي شخصية رئيس مجلس الأمناء.

فنجاح المجلس لا يرتبط فقط بتشكيلته، وإنما أيضاً بقدرة رئيسه على إدارة هذا التنوع من الخبرات وتحويله إلى عمل مؤسسي فعّال.

رئيس مجلس الأمناء ليس مجرد رئيس لجلسات المجلس، ولا يفترض أن تقتصر مهمته على إدارة النقاش والتصويت على القرارات المدرجة على جدول الأعمال.

الشخصية التي تتولى رئاسة المجلس يجب أن تمتلك القدرة على قراءة المشهد الجامعي، ومساءلة الإدارة، وطرح الأسئلة الصعبة، ومتابعة تنفيذ القرارات، وربط أداء الجامعة بأهدافها الاستراتيجية.

كما أن قوة رئيس المجلس يجب أن تظهر في قدرته على حماية استقلالية المجلس، ومنع تحوله إلى جهة شكلية، وفي الوقت نفسه احترام صلاحيات رئيس الجامعة والإدارة التنفيذية وعدم الدخول في تفاصيل العمل اليومي.

وبمعنى آخر، فإن العلاقة الصحيحة بين مجلس الأمناء وإدارة الجامعة يجب أن تقوم على الرقابة والتوجيه الاستراتيجي والمساءلة، لا على التدخل في الإدارة التنفيذية.

التحدي الحقيقي اليوم ليس في عدد اجتماعات مجلس الأمناء، ولا في عدد القرارات التي يتخذها، وإنما في مقدار تأثيره على مسار الجامعة.

نحتاج إلى مجالس أمناء تنظر إلى الجامعة باعتبارها مؤسسة وطنية لها أهداف وموارد وتحديات ومستقبل، لا باعتبارها مؤسسة تعقد اجتماعاً دورياً لمناقشة بنود مدرجة على جدول الأعمال.

نحتاج إلى مجلس يسأل عن جودة التعليم، والبحث العلمي، والاستدامة المالية، والاستثمار، والموارد البشرية، واستقطاب الطلبة، والتصنيف الدولي، والشراكات، وربط التخصصات بسوق العمل، والأهم: هل تتقدم الجامعة فعلاً أم أنها تكتفي بإدارة واقعها؟

وهنا تحديداً تصبح عملية اختيار أعضاء مجالس الأمناء جزءاً من عملية الإصلاح نفسها.

فالمجلس القوي لا يُقاس فقط بأسماء أعضائه، وإنما بما يستطيع هؤلاء الأعضاء أن يفعلوه للجامعة.

وفي النهاية، فإن نجاح مجالس الأمناء لن يكون في قدرتها على عقد جلسات منتظمة، وإنما في قدرتها على أن تكون عين الجامعة على المستقبل، وصوت المساءلة داخلها، وشريكاً حقيقياً في تطوير الجامعات

مدار الساعة ـ