لم يكن الغناء في تاريخ الأمم صوتًا عابرًا يملأ الفراغ، ولا لهوًا يُقاس بما يثيره من طربٍ آني، بل كان، في أرقى تجلياته، لغةً من لغات الحضارة، ومرآةً تعكس مستوى الرقي الإنساني والذوق الجمالي. فحين تزدهر الفنون، يكون ذلك شاهدًا على ازدهار العقل، واتساع أفق المجتمع، وقدرته على احتضان الجمال بوصفه قيمة إنسانية لا تقل شأنًا عن العلم والمعرفة. أما حين يضيق الناس بالفن، ويختزلونه في مظاهره السطحية، فإنهم يفقدون إحدى أهم وسائل تهذيب الوجدان، ويتركون الروح نهبًا للقسوة والجفاف.
ولعل أكثر ما يبعث على الحسرة اليوم أن الحديث عن الغناء لم يعد يستحضر أسماء المبدعين الذين صنعوا ذاكرة الأمة، بل غدا مقترنًا في أحيان كثيرة بالضجيج الإعلامي، وبصناعة الشهرة، وبالمنافسة على الإثارة أكثر من المنافسة على الإبداع. لقد تبدلت المقاييس، حتى أصبح الصوت المرتفع يغلب الصوت الجميل، وأصبحت الصورة تطغى على الكلمة، والإيقاع يحجب المعنى، وكأن الفن قد تخلى عن رسالته القديمة التي كانت تجعل الإنسان أكثر رقةً واتزانًا، وأكثر قدرةً على الإصغاء إلى ذاته.ومع ذلك، فإن الظلم كل الظلم أن نحاكم الفن من خلال نماذجه الرديئة، أو أن نعمم أحكامًا قاسية على الغناء بسبب ما أصابه من تشويه في بعض صوره المعاصرة. فالفن لا يُقاس بمن يسيئون إليه، كما لا يُقاس الأدب بالكتابات الهابطة، ولا الشعر بالركيك من الكلام. إن لكل عصر من يشوه الذائقة، كما أن لكل عصر من يحرس الجمال، ويصون الكلمة، ويرتقي بالوجدان.ومن المؤسف أن الحوار حول الفن في مجتمعاتنا كثيرًا ما يتحول إلى ساحة للمزايدات، فيعلو صوت الاتهام على صوت العقل، ويصبح الاختلاف في الرأي سببًا للخصومة بدل أن يكون سبيلًا إلى المعرفة. نرفع شعارات الحرية، ونطالب بحق التعبير، غير أن أول اختبار لهذه المبادئ يكشف ضيقًا بالرأي الآخر، حتى يغدو الحوار أقرب إلى صراع إرادات منه إلى لقاء عقول.إن الحضارة لا تُبنى بالإقصاء، وإنما تتقدم بتعدد الأصوات، واحترام التنوع، والإيمان بأن الحقيقة لا يحتكرها أحد. وما أجمل أن نستعيد في هذا السياق تاريخنا العربي والإسلامي، بعيدًا عن القراءات الانتقائية التي تختزل قرونًا من الإبداع في صور جامدة لا تعكس حقيقة الواقع.لقد عرف العرب الغناء قبل الإسلام، وكان الشعر يُنشد على إيقاع الموسيقى، وكانت القوافل تردد الحداء في الصحارى، فتخف وطأة السفر، وتأنس النفوس في وحشة الطريق. ولم يكن الغناء منفصلًا عن الحياة اليومية، بل كان حاضرًا في الأفراح، والأسفار، والمناسبات، وحتى في ميادين العمل، حيث كان ينظم إيقاع الحركة ويبعث النشاط في النفوس.وحين جاء الإسلام، لم يلغِ هذا التراث، وإنما هذبه وربطه بالقيم الأخلاقية. ولذلك بقي الغناء حاضرًا في مناسبات كثيرة، وأصبحت المدينة المنورة نفسها تسمع الأناشيد في الأعياد والأعراس، وتستقبل الوفود بالأهازيج، في مشهد يعكس انسجام الفطرة الإنسانية مع الفرح المشروع.ثم جاء العصر الأموي، فازدهرت الموسيقى ازدهارًا لافتًا، وبرز أعلام كبار مثل ابن سريج، والغريض، ومعبد، وجميلة، ثم بلغ هذا الفن ذروة نضجه في العصر العباسي، حيث تحولت بغداد إلى إحدى أعظم حواضر الموسيقى في العالم. وهناك لمع اسم إسحاق الموصلي، وإبراهيم الموصلي، وزرياب الذي حمل هذا التراث إلى الأندلس، فأسهم في تأسيس مدرسة موسيقية ظل أثرها ممتدًا في الحضارة الأوروبية قرونًا طويلة.وكان الخلفاء والعلماء والأدباء يجتمعون في مجالس الأدب، فيستمعون إلى الشعر والغناء، ويتناقشون في اللغة والبلاغة والفلسفة، ولم يكن أحد يرى تناقضًا بين العلم والجمال، لأن الإنسان في نظرهم كيان متكامل، يحتاج إلى غذاء العقل كما يحتاج إلى غذاء الروح.ولم يقتصر اهتمام العرب على الأداء الموسيقي، بل ألفوا في نظرياته، ودرسوا أثر النغم في النفس الإنسانية. ويكفي أن نتذكر الفيلسوف الكبير الفارابي، الذي وضع كتابه الشهير في الموسيقى، فحلل المقامات والإيقاعات، وربط بينها وبين التأثيرات النفسية، في عمل يدل على أن الموسيقى كانت علمًا وفنًا في آن واحد.ولم يكن الأدباء بعيدين عن هذا العالم؛ فقد رأى الجاحظ أن الطرب من طبائع الإنسان، وامتلأت كتب الأدب بأخبار المغنين، وأصبحت سيرهم جزءًا من الذاكرة الثقافية للأمة، لا بوصفهم أصحاب لهو، بل بوصفهم صناع جمال، وحملة ذوق، ومبدعين في التعبير عن المشاعر الإنسانية.ومن أبلغ ما يروى في هذا الباب قصة الإمام أبي حنيفة مع جاره الذي كان يقضي لياليه في شرب الخمر، ثم يرفع صوته مرددًا:أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعواليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِوحين غاب صوته ذات ليلة، افتقده الإمام، وسأل عنه، فعلم أن الشرطة قد قبضت عليه. ولم يقل إن الرجل يستحق ما أصابه، ولم يشمت به، بل قصد والي الشرطة، وتشفع له حتى أُطلق سراحه، ثم استقبله بكلمة تختصر فلسفة الرحمة كلها:"وهل أضعناك يا فتى؟"إن هذه الحكاية ليست دفاعًا عن الخطأ، وإنما دفاع عن الإنسان. فقد كان أبو حنيفة يرى أن الرحمة أصل الإصلاح، وأن احتواء المخطئ أولى من إقصائه، وأن الإنسان لا يُختزل في زلة ارتكبها، بل يبقى قادرًا على التوبة والتغيير ما دام يجد من يفتح له باب الأمل.ولعلنا اليوم أحوج ما نكون إلى استعادة هذه الروح. فبدل أن ننشغل بإطلاق الأحكام على الناس، ينبغي أن ننشغل بإحياء قيم التسامح، وأن نميز بين الفن الذي يسمو بالإنسان، وذلك الذي يبتذل إنسانيته. فالفن ليس خصمًا للأخلاق، بل قد يكون أحد أهم روافدها إذا استند إلى الجمال والصدق والوعي.إن الأغنية العظيمة لا تموت لأنها تلامس جوهر الإنسان، والكلمة الصادقة تبقى لأنها تنبع من قلب صادق، أما الضجيج فإنه يبهر لحظة ثم يتلاشى، كما يتلاشى كل ما يخلو من القيمة.لقد كانت الحضارة العربية والإسلامية حضارةً تعرف كيف تصغي إلى صوت المؤذن، وصوت الشاعر، وصوت المغني، وصوت العالم، دون أن ترى في ذلك تناقضًا، لأنها أدركت أن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، ولا بالمعرفة وحدها، وإنما يعيش أيضًا بالجمال.إن الأمم التي تفقد ذائقتها الجمالية تفقد شيئًا من إنسانيتها، أما الأمم التي تحرس الفن الرفيع، فإنها تحرس في الوقت نفسه ذاكرتها، وقيمها، وصورتها الحضارية. ومن هنا فإن معركتنا الحقيقية ليست مع الغناء، وإنما مع الرداءة، وليست مع الموسيقى، وإنما مع الابتذال، وليست مع الفن، وإنما مع كل ما يسيء إلى الفن ويشوّه رسالته.ويبقى المغني الحقيقي، مهما تغيرت الأزمنة، رسولًا للجمال، يحمل صوته كما يحمل الشاعر قصيدته، والرسام لوحته، والكاتب قلمه؛ لأن الحضارات لا تُقاس بما شيدته من أبنية فحسب، وإنما بما تركته في وجدان الإنسان من أثر جميل لا يزول.المغنّي... حين كان الفنُّ عنوانَ الحضارة
الدكتور زياد أبو لبن
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الأسبق
مدار الساعة ـ