أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

النفايات المتناثرة حول الحاويات.. هل المشكلة في سلوك المواطنين أم في غياب نظام متكامل لإعادة التدوير؟


محمد جودة
كاتب أردني مقيم في إيطاليا

النفايات المتناثرة حول الحاويات.. هل المشكلة في سلوك المواطنين أم في غياب نظام متكامل لإعادة التدوير؟

محمد جودة
محمد جودة
كاتب أردني مقيم في إيطاليا
مدار الساعة ـ
النفايات المتناثرة حول الحاويات.. هل المشكلة

كلما شاهدنا النفايات متناثرة حول الحاويات، يكون الاتهام الجاهز في كثير من الأحيان:

«المواطنون لا يحسنون رمي النفايات».

ولا شك أن هناك ممارسات فردية خاطئة يجب عدم تجاهلها، لكن السؤال الأهم هو:

هل المواطن وحده المسؤول فعلًا عن المشهد الذي نراه يوميًا حول بعض الحاويات؟

الواقع الذي يلاحظه كثيرون يكشف جانبًا آخر من المشكلة.

فعدد من جامعي المواد القابلة لإعادة التدوير يقومون بفتح أكياس النفايات والبحث داخلها عن مواد يمكن بيعها أو الاستفادة منها، مثل علب الألمنيوم، والعبوات البلاستيكية، والمعادن، والورق والكرتون.

وخلال عملية البحث، قد تُفتح الأكياس وتُفرغ محتوياتها على الأرض، ثم تُجمع المواد المطلوبة، بينما تُترك بقية النفايات مبعثرة حول الحاوية.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

ففي غضون وقت قصير، يتحول محيط الحاوية إلى بؤرة للنفايات والروائح والحشرات، ويتشوّه المظهر العام للشارع، ثم يأتي عمال النظافة ليعيدوا تنظيف الموقع نفسه مرة بعد مرة.

وهكذا نبقى نعالج النتيجة بدل أن نعالج السبب.

إذا كنا نريد حلًا حقيقيًا ومستدامًا، فعلينا أن نفكر بطريقة مختلفة.

بدل أن نسأل فقط:

من الذي رمى النفايات على الأرض؟

يجب أن نسأل أيضًا:

لماذا يضطر البعض أصلًا إلى فتح أكياس النفايات والبحث داخلها عن المواد القابلة لإعادة التدوير؟

تجربة يمكن الاستفادة منها

في كثير من المدن الإيطالية، على سبيل المثال، لا تعتمد إدارة النفايات على حاوية واحدة تُلقى فيها جميع أنواع المخلفات.

بل توجد مجموعة من الحاويات المتجاورة، بحيث تُخصص كل حاوية لنوع معين من النفايات.

فهناك حاويات للورق والكرتون،

وحاويات للعبوات البلاستيكية والمعادن،

وحاويات للزجاج،

وحاويات للنفايات العضوية،

وأخرى للنفايات العامة.

وبهذه الطريقة تبدأ عملية فرز النفايات من المصدر، أي من المواطن نفسه.

فبدل أن تختلط المواد القابلة لإعادة التدوير ببقايا الطعام والنفايات الأخرى داخل كيس واحد، يتم فصلها منذ البداية ووضعها في الحاويات المخصصة لها.

وهذا النظام لا يسهل فقط عملية إعادة التدوير، بل يقلل أيضًا من الحاجة إلى فتح أكياس النفايات والعبث بمحتوياتها بحثًا عن المواد ذات القيمة.

فكرة بسيطة يمكن تطبيقها في مدننا

يمكن أن نبدأ بخطوة بسيطة وعملية:

تخصيص حاويات مستقلة للمواد القابلة لإعادة التدوير توضع بجوار حاويات النفايات العادية.

حاوية للعبوات البلاستيكية وعلب الألمنيوم والمعادن.

حاوية للورق والكرتون.

حاوية للزجاج.

وحاوية للنفايات العامة.

عندها يستطيع المواطن أن يضع المواد القابلة لإعادة التدوير مباشرة في المكان المخصص لها، كما يستطيع جامعو هذه المواد الوصول إليها دون الحاجة إلى فتح أكياس النفايات أو بعثرة محتوياتها على الأرض.

وبذلك نكون قد عالجنا جزءًا من المشكلة من جذورها، بدل الاستمرار في تنظيف الفوضى نفسها يومًا بعد يوم.

فوائد تتجاوز مجرد النظافة

تطبيق نظام فرز النفايات يمكن أن يحقق فوائد عديدة، من أهمها:

* الحفاظ على نظافة الشوارع ومحيط الحاويات.

* زيادة كميات المواد التي يعاد تدويرها.

* تقليل كميات النفايات التي تصل إلى المكبات.

* تخفيف العبء عن البلديات وعمال النظافة.

* تحسين المظهر الحضاري للمدن والأحياء.

* نشر ثقافة الفرز وإعادة التدوير بين أفراد المجتمع.

* تحويل جزء من النفايات من عبء على المدينة إلى مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه.

* دعم مفهوم الاقتصاد الدائري والاستفادة من المواد بدل التخلص منها بالكامل.

النظافة مسؤولية مشتركة... ولكن النظام يصنع الفرق

النظافة ليست مسؤولية المواطن وحده، كما أنها ليست مسؤولية البلدية وحدها.

إنها نتيجة منظومة متكاملة تجمع بين السلوك الواعي، والبنية التحتية المناسبة، والتوعية، والرقابة، وإدارة النفايات بطريقة ذكية.

فعندما نوفر للمواطن الأدوات المناسبة للفرز، ونوفر للمواد القابلة لإعادة التدوير مسارًا واضحًا ومنظمًا، فإننا نقلل تلقائيًا من الحاجة إلى العبث بأكياس النفايات.

وربما يكون الوقت قد حان للانتقال من سياسة «تنظيف الفوضى بعد حدوثها» إلى سياسة أكثر ذكاءً تقوم على «منع حدوث الفوضى من الأساس».

ويمكن أن يبدأ ذلك بإنشاء نقاط فرز للنفايات في الأحياء والمناطق السكنية، على غرار ما هو مطبق في عدد من الدول، ومنها إيطاليا.

حاويات فرز النفايات في إيطاليا

في العديد من المدن الإيطالية، توضع عدة حاويات متجاورة، ويُخصص كل منها لنوع محدد من النفايات، مثل الورق والكرتون، والبلاستيك والمعادن، والزجاج، والنفايات العضوية، والنفايات العامة.

ويساعد هذا النظام على جعل عملية إعادة التدوير أكثر سهولة وكفاءة، ويقلل من اختلاط المواد القابلة للتدوير بالنفايات الأخرى.

كما يحد من الحاجة إلى فتح أكياس النفايات والبحث داخلها، ويساهم في الحفاظ على نظافة محيط الحاويات وتحسين إدارة النفايات بصورة عامة.

والسؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو:

هل نستمر في لوم المواطنين كل يوم على المشهد الذي نراه حول الحاويات؟

أم نبدأ ببناء نظام يقلل من المشكلة من جذورها، ويحوّل المواد القابلة لإعادة التدوير من نفايات مبعثرة إلى مورد اقتصادي وبيئي يخدم المجتمع كله؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━

تحليل المقال بالذكاء الاصطناعي

إعداد ومشاركة:

المهندس رائد الصعوب

يطرح الدكتور محمد جودة في هذا المقال قضية يومية نراها في كثير من الأحياء والشوارع، إلا أن أهمية الطرح تكمن في أنه لا يكتفي بالنظر إلى المشهد الظاهر، وهو تراكم النفايات حول الحاويات، بل يحاول الوصول إلى الأسباب التي تنتج هذا المشهد.

وهنا تحديدًا تكمن قوة المقال.

فالمشكلة التي يناقشها الدكتور محمد جودة ليست مشكلة «نظافة» بالمعنى التقليدي فقط، وإنما هي قضية ترتبط بإدارة النفايات، والسلوك الاجتماعي، وإعادة التدوير، والاقتصاد الدائري، وتصميم النظام البلدي نفسه.

من السهل لوم الفرد... لكن الأصعب تصميم نظام أفضل

من أكثر الأفكار أهمية في المقال الانتقال من السؤال:

«من ألقى النفايات حول الحاوية؟»

إلى سؤال أكثر عمقًا:

«ما الذي يجعل هذا السلوك يتكرر أصلًا؟»

ففي الإدارة الحديثة للخدمات العامة، لا يكفي التعامل مع الخطأ بعد حدوثه، بل يجب تصميم النظام بطريقة تقلل احتمالية حدوث الخطأ من البداية.

وجود مواد قابلة للبيع أو إعادة التدوير مختلطة مع النفايات العامة يجعل أكياس النفايات نفسها مصدرًا اقتصاديًا لبعض جامعي المواد القابلة لإعادة التدوير.

وبالتالي فإن فتح الأكياس والبحث داخلها يصبح نتيجة متوقعة لنظام لا يفصل المواد ذات القيمة عن بقية النفايات.

وهنا يتحول الموضوع من مجرد سلوك فردي إلى مشكلة في تصميم منظومة إدارة النفايات.

الفرز من المصدر هو نقطة البداية

أحد أهم المفاهيم التي يناقشها المقال بصورة غير مباشرة هو «الفرز من المصدر».

فعندما يقوم المواطن بفصل الورق والكرتون والبلاستيك والمعادن والزجاج عن النفايات العضوية والعامة منذ المنزل، تصبح سلسلة إدارة النفايات بأكملها أكثر كفاءة.

وتقل نسبة التلوث بين المواد المختلفة، وترتفع جودة المواد القابلة لإعادة التدوير، كما يصبح جمعها ونقلها ومعالجتها أكثر سهولة.

وهذا يعني أن الحاويات المنفصلة ليست مجرد وسيلة لتحسين منظر الشارع، وإنما تمثل الخطوة الأولى في سلسلة اقتصادية وبيئية متكاملة.

النفايات ليست دائمًا نفايات

من أهم الأبعاد التي يمكن البناء عليها في مقترح الدكتور محمد جودة أن كثيرًا مما نطلق عليه كلمة «نفايات» هو في الحقيقة مواد خام ثانوية لها قيمة اقتصادية.

علبة الألمنيوم لها قيمة.

الكرتون له قيمة.

البلاستيك القابل للتدوير له قيمة.

المعادن لها قيمة.

والزجاج يمكن إعادة استخدامه أو تدويره.

وعندما تختلط هذه المواد بالنفايات العضوية، فإننا لا نفقد فرصة بيئية فقط، بل نفقد أيضًا قيمة اقتصادية كان يمكن استعادتها.

ومن هنا تأتي أهمية الانتقال تدريجيًا من مفهوم «التخلص من النفايات» إلى مفهوم «إدارة الموارد بعد الاستهلاك».

وماذا عن جامعي المواد القابلة لإعادة التدوير؟

المقال يلفت الانتباه أيضًا إلى جانب اجتماعي مهم.

فهؤلاء الأشخاص الذين يبحثون عن الألمنيوم أو الكرتون أو البلاستيك يفعلون ذلك لأن لهذه المواد قيمة اقتصادية.

وبدل النظر إليهم فقط باعتبارهم جزءًا من المشكلة، يمكن التفكير في كيفية دمج هذا النشاط ضمن نظام أكثر تنظيمًا.

فوجود نقاط فرز واضحة قد يسمح بجمع المواد القابلة لإعادة التدوير بطريقة أكثر نظافة وأمانًا، دون بعثرة النفايات أو تعريض جامعيها للمخاطر الصحية الناتجة عن البحث اليدوي داخل أكياس مختلطة.

المقترح الأفضل: البدء بتجربة محدودة وقياس النتائج

من الناحية العملية، قد لا يكون من الضروري الانتقال مباشرة إلى تطبيق منظومة شاملة في جميع المناطق.

يمكن البدء بمشروع تجريبي في عدد محدود من الأحياء أو المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة.

ويتم وضع مجموعة حاويات منفصلة بطريقة واضحة وسهلة الاستخدام، مع إطلاق حملة توعية بسيطة تشرح للمواطنين كيفية الفرز.

ثم تتم متابعة النتائج من خلال مؤشرات واضحة، مثل:

* كمية المواد التي تم جمعها لإعادة التدوير.

* انخفاض كمية النفايات المتناثرة حول الحاويات.

* انخفاض عدد مرات تنظيف محيط الحاوية.

* مدى التزام السكان بالفرز.

* التكلفة التشغيلية للنظام مقارنة بالنظام التقليدي.

* القيمة الاقتصادية للمواد المستردة.

وبعد فترة تجريبية مناسبة، يمكن تقييم التجربة وتطويرها قبل التوسع في تطبيقها.

التكنولوجيا يمكن أن تساعد أيضًا

يمكن مستقبلاً تطوير نقاط الفرز لتصبح جزءًا من منظومة أكثر ذكاءً.

فيمكن استخدام حاويات مزودة بحساسات تقيس مستوى الامتلاء، بحيث تعرف البلدية متى تحتاج الحاوية إلى التفريغ بدل الاعتماد فقط على جداول زمنية ثابتة.

كما يمكن استخدام البيانات لتحديد المناطق الأكثر إنتاجًا للمواد القابلة لإعادة التدوير، وتحسين مسارات مركبات الجمع، وتقليل استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل.

وهكذا تتحول إدارة النفايات تدريجيًا من خدمة تقليدية تعتمد على الجمع والنقل فقط، إلى منظومة تعتمد على البيانات والكفاءة واسترداد الموارد.

البعد البيئي والاقتصادي

المقترح الوارد في المقال لا يخدم نظافة الشوارع فقط.

كل طن من المواد يتم فرزه وإعادة تدويره يعني تقليل كمية المواد التي يتم إرسالها إلى المكبات، وتقليل استهلاك المواد الخام الجديدة، وتقليل جزء من الطاقة والانبعاثات المرتبطة بإنتاج مواد جديدة من الصفر.

وفي الوقت نفسه يمكن أن ينشأ حول منظومة إعادة التدوير نشاط اقتصادي يشمل الجمع والفرز والنقل والمعالجة والتصنيع.

وبذلك تتحول قضية تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بحاوية نفايات في أحد الشوارع إلى جزء من قضية أكبر تتعلق بالاقتصاد والبيئة والتنمية الحضرية.

الخلاصة

يقدم الدكتور محمد جودة في هذا المقال فكرة تبدو بسيطة، لكنها تحمل منطقًا إداريًا مهمًا:

إذا كانت المشكلة تتكرر كل يوم، فلا يكفي أن ننظف آثارها كل يوم؛ بل يجب أن نعيد النظر في النظام الذي يسمح بتكرارها.

فالهدف ليس فقط أن تكون المنطقة المحيطة بالحاوية نظيفة في الساعة الثامنة صباحًا بعد مرور عمال النظافة، وإنما أن يبقى المكان نظيفًا طوال اليوم.

والفرق بين الحالتين هو الفرق بين «إدارة النتيجة» و«إدارة السبب».

إن تخصيص حاويات واضحة للورق والكرتون والبلاستيك والمعادن والزجاج يمكن أن يكون خطوة أولى نحو منظومة أكثر تطورًا لإدارة النفايات.

ومع التوعية، والرقابة، والتنظيم، وإشراك القطاع الخاص والمجتمع، يمكن أن تتحول المواد التي نراها اليوم متناثرة حول الحاويات إلى مواد تدخل من جديد في دورة الإنتاج.

وربما يمكن اختصار الفكرة كلها في جملة واحدة:

«الحل الذكي ليس أن ننظف الفوضى كل يوم... بل أن نصمم نظامًا يمنع حدوثها من الأساس».

وعندها لن تصبح إعادة التدوير مجرد قضية بيئية، بل ثقافة مجتمعية، وفرصة اقتصادية، وأحد مؤشرات المدينة الحديثة التي تعرف كيف تدير مواردها وتحافظ على شوارعها في الوقت نفسه.

مدار الساعة ـ