سيدي حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، حفظكم الله تعالى ورعاكم،،،
حين أُنشئ مجلس الأمن القومي الأردني ضمن منظومة التحديث الدستوري، لم يكن ذلك مجرد استحداث مؤسسة جديدة، بل كان تعبيراً عن رؤية ملكية استشرفت طبيعة المرحلة المقبلة، وأدركت أن الدولة الحديثة تحتاج إلى عقل استراتيجي قادر على قراءة المتغيرات، وربط عناصر القوة الوطنية، واتخاذ القرارات التي تحمي حاضر الوطن وتصون مستقبله.وأمام سيدي صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، أجد أن من واجب الأكاديميين والباحثين وأصحاب الفكر الوطني أن يسهموا في إثراء النقاش حول مستقبل الدولة الأردنية، ليس من باب النقد، وإنما من باب البناء والتطوير، انطلاقاً من إيمان بأن المؤسسات الوطنية العظيمة تنمو بالأفكار والرؤى التي تستجيب لتحديات الزمن.لقد تغير العالم بصورة غير مسبوقة، وأصبح مفهوم الأمن القومي بحاجة إلى قراءة أكثر شمولاً وعمقاً. فالأمن القومي في القرن العشرين كان يرتبط بصورة أساسية بحماية الحدود، والدفاع، والسياسة الخارجية، وهي مرتكزات ستبقى أساساً ثابتاً من أسس الدولة. إلا أن القرن الحادي والعشرين أضاف طبقات جديدة من التحديات، جعلت مفهوم الأمن أكثر اتساعاً وتشابكاً.فالدولة اليوم قد لا تواجه حرباً عسكرية، لكنها قد تواجه تهديدات تمس وجودها واستقرارها من خلال أزمة مياه، أو نقص غذاء، أو انقطاع طاقة، أو اضطراب اقتصادي، أو هجوم سيبراني، أو كارثة مناخية، أو فقدان السيطرة على البيانات والمعرفة والتكنولوجيا. ولذلك فإن حماية الوطن لم تعد تعني حماية حدوده الجغرافية فقط، بل حماية كل مقومات استمراره وقدرته على الصمود.ومن هنا، فإن الأمن القومي الحديث هو منظومة متكاملة تبدأ من الإنسان وتنتهي بمستقبل الدولة. فكل قطرة ماء، وكل حبة قمح، وكل مصدر للطاقة، وكل قاعدة بيانات وطنية، وكل مشروع إنتاجي، وكل جامعة تصنع المعرفة، وكل ابتكار يرفع كفاءة استخدام الموارد، يمثل لبنة في بناء الأمن القومي.إن الأردن، بحكم موقعه الجغرافي، وشح موارده الطبيعية، وحساسية محيطه الإقليمي، يحتاج أكثر من غيره إلى هذا المفهوم الشامل للأمن القومي؛ مفهوم لا ينتظر الأزمات، بل يستبقها، ولا يكتفي بإدارة المخاطر بعد وقوعها، بل يبني منظومات الاستشراف والإنذار المبكر والتخطيط بعيد المدى.إن الأمن المائي، والأمن الغذائي، والأمن الطاقي، والأمن الاقتصادي، والأمن الصحي، والأمن البيئي والمناخي، والأمن السيبراني، وأمن الذكاء الاصطناعي والبيانات، وأمن الموارد الطبيعية والبنية التحتية، والأمن المعرفي، أصبحت جميعها مكونات أساسية للأمن الوطني، لأنها ترتبط مباشرة بقدرة الدولة على الاستقلال في قرارها، وتعزيز منعتها، وحماية مواطنيها.ومن هذا المنطلق، فإن مجلس الأمن القومي يمتلك أهمية استراتيجية كبيرة، ويمكن أن يشكل العقل الوطني الذي يجمع هذه الملفات ضمن رؤية متكاملة، تعتمد على المعرفة والبيانات والتحليل العلمي والقدرة على استشراف المستقبل، بحيث يصبح القرار الوطني قائماً على قراءة شاملة للمشهد الداخلي والإقليمي والعالمي.إن مفهوم الأمن القومي في عصرنا لم يعد منفصلاً عن التنمية، فالدولة المنتجة هي الدولة الأكثر أمناً، والدولة التي تستثمر في شبابها ومعرفتها ومواردها هي الدولة الأكثر قدرة على مواجهة التحديات.ومن هنا تأتي أهمية الاستثمار في الشباب باعتبارهم الثروة الاستراتيجية الأهم للأردن. فالشباب ليسوا مجرد طاقات تبحث عن فرص عمل، بل هم قوة وطنية قادرة على صناعة المستقبل إذا تم تمكينهم من أدوات المعرفة والابتكار والإنتاج. ومن هذا المنطلق، تقوم رؤيتنا في منتدى الابتكار والتنمية على الانتقال بالشباب من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة صناعة الفرصة، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن البحث عن الحلول إلى المشاركة في صناعتها.إن تمكين الشباب، ودعم ريادة الأعمال، وربط التعليم بالاقتصاد، وتحويل الأفكار إلى مشاريع إنتاجية، ليست قضايا اجتماعية واقتصادية فقط، بل هي جزء من منظومة الأمن القومي؛ لأن المجتمع المنتج والمبتكر هو مجتمع أكثر استقراراً وقدرة على الصمود.وفي هذا الإطار، يعمل منتدى الابتكار والتنمية على تقديم رؤى ومبادرات وطنية تنطلق من قراءة مستقبلية لاحتياجات الأردن، وتؤمن بأن الأفكار الاستراتيجية هي بذور المشاريع الكبرى. فقد طرح المنتدى رؤية مدينة المغتربين الذكية كفكرة تقوم على استقطاب الكفاءات الأردنية في الخارج وربطها بالتنمية والاستثمار والابتكار، كما قدم رؤية مشروع الشعب للإنتاج لتعزيز مشاركة المواطن في الإنتاج والاستثمار الوطني، إضافة إلى رؤية مدينة وعد الشرق لتصنيع فوسفات الرويشد وتعظيم القيمة المضافة للثروات الطبيعية بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام.كما جاءت مبادرات المنتدى في مجال التنمية الإنتاجية، ومنها رؤية القرى الإنتاجية الذكية مناخياً والمدينة الإنتاجية المتكاملة شرق المفرق، لتقدم نموذجاً يربط بين الأمن المائي والغذائي والطاقي والاقتصادي، من خلال استثمار الخزين الجوفي العميق، والحصاد المائي، والطاقة الشمسية، والإنتاج الزراعي والصناعي الذكي، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على الاعتماد على الذات.إن هذه المبادرات تنطلق من قناعة بأن التنمية ليست ملفاً اقتصادياً منفصلاً عن الأمن، بل هي أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة. فكل مشروع إنتاجي يخلق فرصة عمل، وكل تقنية توفر المياه، وكل استثمار يعظم الموارد الوطنية، وكل شاب يتحول إلى مبتكر ومنتج، هو مساهمة مباشرة في تعزيز الأمن القومي الأردني.سيدي صاحب الجلالة...إن رؤيتنا لمفهوم الأمن القومي تنطلق من أن قوة الدول في المستقبل لن تقاس فقط بما تملكه من قدرات عسكرية، بل بما تملكه من معرفة، وإنتاج، وابتكار، وقدرة على استشراف المخاطر وصناعة الفرص.والأردن، بقيادتكم الحكيمة، يمتلك مقومات بناء نموذج متقدم للأمن القومي الشامل؛ نموذج يربط بين حماية الأرض وحماية الموارد، وبين الأمن والتنمية، وبين الإنسان والاقتصاد، وبين المعرفة وصناعة القرار.إن الأمن القومي في القرن الحادي والعشرين هو القدرة على حماية الوطن بكل مكوناته: أرضه، ومياهه، وغذائه، وطاقة مستقبله، واقتصاده، وشبابه، ومعرفته، وهويته، وقدرته على النهوض في عالم سريع التغير.وهذه هي الرؤية التي نؤمن بها: أن الأردن القوي هو الأردن الذي لا ينتظر المستقبل، بل يستعد له ويشارك في صناعته.حفظ الله الأردن، وحفظ جلالة الملك، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والازدهار.أمام سيدي جلالة الملك... أهمية توسيع شمولية مهام وصلاحيات مجلس الأمن القومي
مدار الساعة ـ
