أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

إعلام مجهول النسب


فهد الخيطان

إعلام مجهول النسب

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

مقاطع فيديو ومنشورات مجهولة النسب انتشرت بسرعة كبيرة على منصات التواصل الاجتماعي، تزعم أن حكومة إسبانيا قد فتحت الحدود مع سبتة ومليلة لدخول المهاجرين إليها. في غضون ساعات تدفق المئات لقطع الحدود مشيا وسباحة، ثم خلال أيام قليلة كان عشرات الآلاف يغمرون المنطقة الحدودية.

الحادثة خلّفت ضحايا من الشباب والأطفال، وأزمة سياسية وإنسانية، احتاجت أياما طويلة لمعالجتها، وإعادة المهاجرين إلى المغرب.

ما حدث باختصار أن تفسيرات مُضللة ومُلفقة بشكل متعمّد لقرار قضائي إسباني، تم استغلالها من قبل شبكات تهريب البشر، وتولت خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي ترويجها على نطاق واسع، دون أن تتوقف وحدات مراقبة المحتوى في تلك المواقع العالمية عند دقة المعلومات أو تتحقق من صحتها، فوقعت الكارثة.

ليست هذه حادثة نادرة أو استثنائية ترتكبها هذه المنصات. دعك من التحفيز المستمر على مدار الوقت للأخبار الكاذبة على كل المستويات، ثمة وقائع كبرى شهدها العالم في السنوات الأخيرة، كانت الخوارزميات هي المسؤولة عنها، كتلك الاحتجاجات الدامية التي شهدتها الهند على خلفية صراع ديني، وخلّفت مئات القتلى قبل سنوات قليلة، ومثلها في دول أفريقية عدة.

وهي ذاتها المنصات التي تم توظيفها للتلاعب بتوجهات الناخبين في أكثر من دولة، وتصعيد خطاب التيارات الشعبوية القائم على الكراهية والتحريض ضد الأجانب والمسلمين والمهاجرين في أوروبا، استنادا لمعلومات غير صحيحة وروايات ملفقة لوقائع لم تحدث. وقد نجح هذا الخطاب بفعل التوجيه المعلن من قبل أصحاب مواقع عالمية كموقع "إكس" في صناعة الفارق في مزاج الرأي العام.

مشكلة الأخبار الكاذبة أنها أشد خطورة من خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، هناك رأي لقاض أميركي سابق يدعى أندوب نابوليتانو، نشرت صحيفة "الغد" مقالا مترجما له قبل أشهر، مفاده أن "علاج خطاب الكراهية أو التهديد هو بالمزيد من الكلام الذي يتحدى المتحدث"، وأن "كل كلام يعد غير ضار، عندما يكون هناك متسع من الوقت لكلام يرد عليه ويدحضه".

وما يثير الدهشةَ والقلقَ ما تظهره الدراسات والأبحاث حول العالم الرقمي، من تفضيل كبير عند جمهور واسع للأخبار الكاذبة على الحقائق، وترويجها وإعادة نشرها مع معرفة شبه مؤكدة أنها غير صحيحة. فنحن نعيش في حقبة يعتقد فيها الجميع أنهم يستحقون الشهرة. وتبدو الأخبار الكاذبة والملفقة بما فيها من إثارة وتأثير على مزاج الأفراد أسرع الوسائل للوصول إلى جمهور عريض من المتابعين، وجمع المعجبين.

ذلك لا يحدث بمحض الصدفة، أو بإرادة فردية لشخص خلف الشاشة، بل بمنهجية منسقة تحركها مراكز السيطرة والتحكم في منصات التواصل الاجتماعي، وتستطيع توجييها كما ترغب، سواء لجهة دفعها لأعلى مستويات التفاعل، أو دفنها في قاع المحيط الرقمي.

حادثة سبتة ومليلة، قدمت دليلا حيّا ومخيفا، عن مدى التأثير القاتل الذي بلغه خطر الأخبار الكاذبة، التي صار باستطاعتها فعلا كسر الحدود المادية بين الدول، وتحدي سيادتها الجغرافية على نحو غير مسبوق.

إن لم تبادرْ دول العالم وهيئاتها الأممية، إلى التصدي لهذا الخطر، فسيأتيها يوم تسلّم فيه مفاتيح سُلطاتها لإيلون ماسك، ومارك زوكربيرغ.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ