أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مناسبات مستثمرون شهادة الموقف أحزاب جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الذكاء الاصطناعي.. والهوية الوطنية


الأستاذ الدكتور عمر علي الخشمان

الذكاء الاصطناعي.. والهوية الوطنية

مدار الساعة ـ

يشهد العالم تحولًا رقميًا متسارعًا جعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، ولم يعد تأثيرهما مقتصرًا على تسهيل الأعمال، بل امتد إلى تشكيل الرأي العام، وتوجيه السلوك، والتأثير في الهوية الثقافية والوطنية. فخوارزميات المنصات الرقمية تحدد إلى حد كبير ما نقرأ ونشاهد ونتفاعل معه، مما يجعلها قوة مؤثرة في بناء الوعي المجتمعي.

ورغم ما توفره هذه التقنيات من فرص كبيرة للتنمية والابتكار، فإنها تطرح تحديات أخلاقية وثقافية تتطلب التعامل معها بوعي ومسؤولية. فانتشار المعلومات المضللة، وضعف المحتوى المحلي، وهيمنة الثقافات الرقمية العالمية، قد تؤثر في منظومة القيم والانتماء، خاصة لدى فئة الشباب.

غير أن الذكاء الاصطناعي ليس تهديدًا للهوية الوطنية، بل يمكن أن يكون وسيلة فعالة لتعزيزها إذا أحسنّا استثماره. فمن خلال تطوير محتوى عربي عالي الجودة، ورقمنة التراث الوطني، وبناء منصات تعليمية ذكية، واستخدام التطبيقات الحديثة للتعريف بتاريخ الوطن وثقافته، نستطيع تحويل التكنولوجيا إلى أداة لحماية الهوية ونقلها إلى الأجيال القادمة.

ويحظى هذا التوجه في الأردن باهتمام كبير من جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله الذي يؤكد باستمرار أهمية الاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وبناء القدرات البشرية لمواكبة الثورة الصناعية الرابعة، كما يولي سمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله الثاني حفظه الله ، اهتمامًا خاصًا بتمكين الشباب في مجالات الابتكار والريادة والذكاء الاصطناعي، انطلاقًا من إيمانه بأن الشباب هم الثروة الوطنية الحقيقية، وأن الاستثمار في عقولهم هو الاستثمار الأهم في مستقبل الأردن.

ويأتي الشباب في مقدمة هذه المسؤولية، فهم الأكثر استخدامًا للتقنيات الحديثة والأقدر على توظيفها في الإبداع والابتكار. ويقع على عاتقهم إنتاج محتوى هادف يعكس قيم المجتمع، والتصدي للمعلومات المضللة، وتعزيز ثقافة الحوار، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بما يخدم التنمية ويحافظ على الهوية الوطنية.

كما تتحمل المؤسسات الوطنية مسؤولية مشتركة في هذا المجال، من خلال إدماج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والتربية الإعلامية والرقمية في المناهج التعليمية، ودعم الإعلام الوطني لإنتاج محتوى منافس، وتمكين المؤسسات الثقافية من حفظ التراث ونشره باستخدام التقنيات الحديثة، إلى جانب تشجيع البحث العلمي والابتكار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تخدم اللغة العربية والثقافة الوطنية.

إن بناء مستقبل رقمي ناجح لا يتحقق بالتطور التقني وحده، بل يتطلب منظومة أخلاقية تحكم استخدام التكنولوجيا، وترسخ قيم المسؤولية والشفافية واحترام الخصوصية والملكية الفكرية. فالهوية الثقافية ليست عائقًا أمام التقدم، بل هي الأساس الذي يمنح التنمية الرقمية معناها واستدامتها.

وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تطور الذكاء الاصطناعي، وإنما في قدرتنا على توظيفه لخدمة الإنسان وتعزيز الانتماء الوطني. فالمجتمعات التي تجمع بين الابتكار والهوية هي الأقدر على صناعة مستقبل مزدهر يحافظ على أصالته، وينافس بثقة في عالم يتغير بوتيرة متسارعة.

مدار الساعة ـ