أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

المهمة الكبرى: صناعة العقل


مكرم الطراونة

المهمة الكبرى: صناعة العقل

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

نعيش حالة إحباط كبيرة، ونحن نراقب الأجيال الصاعدة تعيش حالة عجز لا تستطيع فيها أن تحدد أولوياتها، ولا أن تتخذ قراراتها، ولا أن تتعلم لا من أخطائها ولا من أخطاء غيرها.

لا نريد جيلا يحب وطنه بترديد الشعارات، وإنما باعتباره مسؤولية يحملها كل يوم، ويؤمن بأن تقدمه الشخصي لا ينفصل عن تقدم بلده، وأن نجاح المجتمع يبدأ من نجاح أفراده. نريده جيلا يكون انتماؤه للأردن مبنيا على المعرفة والفهم والعمل، بعيدا عن الانفعال وردود الأفعال العابرة.

نريد جيلا يجعل الحوار وسيلته الأولى، وأن يبتعد عن الإلغاء والتخوين والاغتيال المعنوي. نريده مؤمنا أن الاختلاف ليس تهديدا، وإنما فرصة لفهم العالم بصورة أوسع، وأن الأفكار لا تواجه إلا بالأفكار، والحجج لا تدحض إلا بالحجج، وأن تقدم المجتمعات يكمن في إتقانها إدارة اختلافها.

نريده جيلا يفهم السياسة فهما صحيحا، ويدرك أنها ليست صراخا على منصات التواصل الاجتماعي، ولا انقساما دائما بين معسكرات متناحرة، وإنما هي إدارة للمصالح العامة، وفهم التوازنات، وقراءة المصالح الوطنية والإقليمية والدولية.

وأن يفهم أيضا بالاقتصاد، فكثير من النقاشات العامة اليوم تجري وكأن الاقتصاد مجرد أمنيات. يحتاج الشاب إلى أن يفهم معنى الإنتاج والاستثمار والضرائب والبطالة والدين العام وريادة الأعمال وسوق العمل، وكيف تتخذ الدول قراراتها الاقتصادية، ولماذا لا توجد حلول مجانية لكل المشكلات.

نريده جيلا يميز بين المعلومة والتحريض، ويضع حدودا بين التحليل والدعاية، ويعرف النقد المسؤول من الهدم المجاني. نريد جيلا يعرف كيف يفكر، وكيف يطرح الأسئلة ويبحث عن الإجابات، وكيف يقارن بين الآراء، ويعيد النظر في قناعاته عندما تظهر أدلة جديدة. العقل الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى عقل مغلق مهما امتلك من معلومات.

نريد جيلا يعرف كيف يتخذ قراراته، وكيف يدير حياته ويخطط لمستقبله، ويحدد أولوياته، ويتحمل مسؤولية خياراته. الحياة الحديثة لم تعد تكافئ من يحفظ المعلومات، بقدر ما تكافئ من يحسن استخدامها واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

نريد جيلا يعرف كيف يبني رأيه بطريقة علمية، فيبدأ بالحقائق وتحليلها، ليصل إلى استنتاجاته. جيلا لا يكتفي بمقطع مصور أو منشور مجهول المصدر أو رسالة تصل عبر تطبيقات التواصل. الرأي الذي لا يستند إلى معرفة يتحول بسهولة إلى انفعال يستخدم في هدم الأوطان.

واقعنا اليوم يكشف أن كثيرا من شبابنا يمتلكون طاقات كبيرة، لكنهم يعيشون وسط فيضان هائل من المعلومات والأخبار والإشاعات والمحتوى السريع، التي تدفعهم نحو الإثارة أكثر من المعرفة، لتجعل منهم "بضاعة" معطوبة في سوق تتغذى على تغييبهم عن الوعي، بسبب عدم امتلاكهم أدوات التفكير الضرورية والحكم على الأمور.

المهمة الجديدة للتعليم هي الكف عن ملء عقول الطلبة بالمعلومات، وإنما تعليمهم كيف يتعاملون مع هذه المعلومات. ينبغي الانتقال من تلقين الإجابات إلى تدريب الطلبة على طرح الأسئلة، ومن الحفظ إلى التحليل، ومن إعادة إنتاج الأفكار إلى نقدها. المواطن الذي لا يمتلك التفكير الناقد يصبح فريسة سهلة لكل شائعة وخطاب شعبوي وتضليل، وسيجد نفسه مغيّب العقل.

عندما يتعلم الفرد التفكير الناقد، فإنه لا يصدّق خبرا لمجرد أنه انتشر على نطاق واسع، ولا يرفض فكرة لأنها تخالف ما اعتاده، ولا يقبل رأيا لأن صاحبه مشهور، وسوف يميّز بين الخبر والإشاعة، ويعرف الصورة الحقيقية من الصورة المفبركة، والإحصاءات الصحيحة من الأرقام المضللة، والتحليل المهني من الدعاية السياسية.

الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من بناء عقل قادر على التفكير المستقل الذي لا يخشى السؤال، أو مراجعة أفكاره، ليصبح قادرا على عدم السماح لأحد بأن يصادر قدرته على الحكم. الجيل الذي يفكر سيكون أكثر قدرة على حماية وطنه من التطرف والإشاعات والانقسام والفساد والشعبوية، وسيكون أكثر قدرة على الابتكار والإنتاج وصناعة المستقبل.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ