لطالما شكّلت العلاقات الاقتصادية بين الأردن والعراق أحد أهم أعمدة التعاون الإقليمي، نظراً لما يجمع البلدين من مصالح إستراتيجية في مجالات الطاقة والتجارة والنقل والاستثمار.
وخلال السنوات الأخيرة، بدت هذه العلاقة في مسار تصاعدي واضح، إذ ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية إلى العراق من 936 مليون دولار عام 2023 إلى 1.344 مليار دولار عام 2024، ثم إلى 1.449 مليار دولار عام 2025، بزيادة تراكمية تقارب 55 % خلال عامين، كما بلغ إجمالي الصادرات الأردنية إلى العراق، 2.64 مليار دولار خلال العام الماضي، ما رسخ مكانة العراق كأحد أهم الأسواق التصديرية للمملكة.لكن قراءة مؤشرات الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 تثير تساؤلات حقيقية حول ما إذا كانت هذه العلاقة الاقتصادية بدأت تفقد زخمها، في ظل ظهور عدد من المؤشرات التي تستحق التوقف عندها.أول هذه المؤشرات يتمثل في ملف النفط العراقي، الذي يعد أحد أهم ملفات التعاون الاقتصادي بين البلدين، فعلى الرغم من تجديد اتفاقية تزويد الأردن بـ10 آلاف برميل يومياً من النفط العراقي نهاية العام الماضي، فإن المملكة لم تتسلم حتى الآن أي كميات بموجب الاتفاق، وهو ما يحرمها من مصدر مهم للطاقة، ويزيد من كلف الاستيراد على الخزينة في وقت تتزايد فيه الضغوط على المالية العامة.أما المؤشر الثاني، فيرتبط بمشروع أنبوب النفط العراقي، فبعد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، كان أول وفد اقتصادي أردني، برئاسة وزراء الصناعة والطاقة والنقل، يتوجه إلى بغداد في رسالة تؤكد حرص المملكة على تعزيز الشراكة الاقتصادية، إلا أن بغداد أعلنت بعد يوم واحد فقط طرح عطاء جديد لمد خط أنبوب النفط باتجاه ميناء بانياس السوري بدلاً من ميناء العقبة، وهو تطور يبعث برسائل تستحق القراءة حول أولويات المشاريع الإستراتيجية العراقية في المرحلة المقبلة.المؤشر الثالث يتمثل في حركة التجارة البينية، التي بدأت تفقد الزخم الذي ميزها خلال الأعوام الماضية، فقد ارتفعت الصادرات الوطنية الأردنية إلى العراق خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 بنسبة 1.1 % فقط، لتصل إلى 537.7 مليون دولار مقارنة مع 531.9 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من عام 2025، وهي نسبة نمو متواضعة إذا ما قورنت بالنمو السنوي الذي بلغ 8 % خلال عام 2025.غير أن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عند النظر إلى إجمالي الصادرات، إذ تراجعت من 1.118 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 إلى 934.5 مليون دولار خلال الفترة ذاتها من العام الحالي، بانخفاض نسبته 16 %، ويعود ذلك بصورة رئيسية إلى تراجع إعادة التصدير من 586.6 مليون دولار إلى 396.5 مليون دولار، أي بانخفاض 32 %، وهو ما يعكس تراجعاً في حركة التجارة والخدمات اللوجستية المرتبطة بالسوق العراقية.وفي المقابل، انخفضت المستوردات الأردنية من العراق بصورة حادة، من 114.8 مليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025 إلى 44.6 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2026، أي بنسبة 45 %، في حين بلغ فائض الميزان التجاري لصالح الأردن 493.1 مليون دولار، ورغم أن هذا الفائض يعكس استمرار تفوق الصادرات الأردنية على المستوردات، إلا أنه لا يعوض تراجع النشاط التجاري الكلي بين البلدين، خاصة مع انخفاض إجمالي حركة التجارة مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.ولا تقتصر المؤشرات على الأرقام، فهناك تحديات ميدانية يواجهها القطاع الصناعي الأردني، أبرزها استمرار بطء حركة الشاحنات عبر منفذ القائم، ونقص الشاحنات العراقية المتاحة لنقل الصادرات الأردنية، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أجور النقل وزيادة الأعباء التشغيلية على المصانع، وتهديد استمرارية تزويد السوق العراقية بالمنتجات الأردنية.ولهذا طالبت غرفة صناعة الأردن بتنسيق عاجل مع الجانب العراقي لزيادة أعداد الشاحنات العراقية الداخلة إلى المملكة، والسماح لها بنقل البضائع الأردنية بما يتناسب مع حجم الصادرات واحتياجاتها الفعلية.هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة وجود أزمة سياسية بين الأردن والعراق، لكنها تعكس تراجعاً واضحاً في الزخم الاقتصادي الذي شهدته العلاقة خلال السنوات الأخيرة، فالعلاقات الاقتصادية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو التصريحات المتبادلة، وإنما بسرعة تنفيذها، واستمرار المشاريع الاستراتيجية، وانسيابية حركة التجارة، ومعالجة التحديات التي تواجه القطاع الخاص.ويبقى السؤال: هل ما نشهده اليوم مجرد تباطؤ مؤقت فرضته ظروف المرحلة، أم أنه بداية لتحول في أولويات العراق الاقتصادية وشراكاته الإقليمية؟ الإجابة لن تحددها البيانات الصحفية، بقدر ما ستحددها سرعة تنفيذ اتفاق النفط، وحسم مسار المشاريع الإستراتيجية، وإزالة العقبات التي تعيق التجارة، حتى لا يفقد الأردن أحد أهم أسواقه التصديرية التي تجاوزت صادراته الوطنية إليها 1.4 مليار دولار خلال عام 2025.اقتصاديا.. مؤشرات خطيرة مع العراق
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ