أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

دولة الرئيس.. لحظة الاختبار الوطني: المستقبل لا يُدار بعقلية الانتظار


أ.د. حميد بطاينة

دولة الرئيس.. لحظة الاختبار الوطني: المستقبل لا يُدار بعقلية الانتظار

مدار الساعة ـ

لقد أنجز الأردن خلال السنوات الماضية خطوةً كبيرة في مشروع التحديث الوطني، وأصبح يمتلك إطارًا تشريعيًا متقدمًا يعكس رؤية الدولة للمستقبل. لكن التجارب تؤكد أن الإصلاح لا يُقاس بعدد القوانين التي تُقر، بل بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة الناس.

واليوم يقف الأردن أمام لحظة وطنية فاصلة؛ فبعد اكتمال جانب مهم من البناء التشريعي، تبدأ المرحلة الأصعب: مرحلة التنفيذ. وهي المرحلة التي سيُقاس فيها نجاح الحكومة بقدرتها على تحويل النصوص إلى نتائج، والرؤى إلى سياسات، والخطط إلى إنجازات يشعر بها المواطن.

دولة الرئيس…

إن التحدي الحقيقي لم يعد في إنتاج المزيد من التشريعات، بل في بناء جهاز حكومي يمتلك الكفاءة والسرعة والمرونة اللازمة لتنفيذها. فالتاريخ يثبت أن كثيرًا من مشاريع الإصلاح لم تتعثر بسبب نقص الأفكار، وإنما بسبب ضعف القدرة على التنفيذ.

وأخطر ما قد يواجه مشروع التحديث أن تتغير القوانين بينما تبقى الثقافة الإدارية على حالها، وأن تستمر الأدوات القديمة في إدارة مرحلة جديدة تختلف في متطلباتها وتحدياتها.

فلا يمكن إدارة المستقبل بعقلية الانتظار، ولا تحقيق نتائج مختلفة باستخدام الأساليب ذاتها التي أنتجت واقعًا يحتاج إلى التغيير.

إن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالًا في التفكير الحكومي؛ من إدارة الملفات إلى قيادة التحولات، ومن معالجة الأزمات إلى استباقها، ومن قياس النشاط الإداري إلى قياس الأثر الحقيقي في حياة المواطنين.

فالحكومة الناجحة ليست الأكثر إصدارًا للقرارات، بل الأكثر قدرة على تنفيذها، ومراجعة مسارها، وتصحيح أخطائها بسرعة وكفاءة.

كما أن نجاح المرحلة المقبلة سيُقاس بقدرة الدولة على استعادة وتعزيز ثقة المواطنين، فالثقة لا تُبنى بالخطب، وإنما بالأداء والعدالة وسرعة الإنجاز وجودة الخدمة.

لقد أصبح المواطن أكثر وعيًا، ولم يعد يسأل: ماذا أعلنت الحكومة؟ بل ماذا تغير؟ وما الذي انعكس على حياته اليومية؟

ومن هنا يصبح إصلاح الإدارة العامة جوهر مشروع التحديث؛ لأنها العقل التنفيذي للدولة. وإذا بقي هذا العقل يعمل بأدوات الماضي، فإن أفضل الرؤى ستظل محدودة الأثر.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى منظومة تنفيذ احترافية ترتبط مباشرة بمركز القرار، تعتمد مؤشرات أداء واضحة، وتربط المسؤولية بالنتائج، بحيث يصبح الإنجاز هو معيار التقييم الحقيقي.

كما تتطلب المرحلة إعادة تعريف مفهوم القيادة في القطاع العام. فالقائد ليس من يحافظ على الواقع، بل من يمتلك شجاعة تغييره عندما يصبح عائقًا أمام المستقبل. والقيادة الحقيقية تُقاس بالقرار، وتحمل المسؤولية، والقدرة على التصحيح، لا بتجنب النقد.

وفي الوقت ذاته، فإن بناء “عقل المستقبل” يتطلب تمكين الكفاءات الوطنية، وفتح المجال أمام الشباب والمرأة للمشاركة في صناعة القرار، والاستفادة من طاقاتهم في التعامل مع التحولات الرقمية والمعرفية المتسارعة.

ولا يمكن للحكومة أن تنجح إذا استمرت المؤسسات تعمل كجزر منفصلة؛ فالاقتصاد والتعليم والاستثمار والإدارة المحلية والخدمات العامة ملفات مترابطة، ولا بد أن تُدار ضمن رؤية وطنية واحدة، وفريق حكومي واحد.

كما أن نجاح مشروع التحديث لن يُقاس بما يتحقق في العاصمة فقط، بل بمدى وصول أثره إلى كل محافظة ومدينة وقرية وبادية ومخيم. فالتنمية العادلة ليست مطلبًا خدميًا فحسب، بل ركيزة للاستقرار والثقة والانتماء.

دولة الرئيس…

لقد امتلك الأردن الرؤية، وأنجز جانبًا كبيرًا من الإصلاح التشريعي، وبقي التحدي الأكبر: سرعة التنفيذ وجودته.

فالوقت أصبح عنصرًا حاسمًا، وتأخير الإنجاز يرفع كلفة الإصلاح، بينما يخلق الإنجاز السريع ثقةً جديدة، ويمنح مشروع التحديث زخمه الحقيقي.

إن مشروع التحديث الوطني ليس مشروع حكومة، بل مشروع دولة ومستقبل أجيال. لكنه يحتاج إلى قيادة تمتلك شجاعة التنفيذ، وإدارة تؤمن بأن الإصلاح ليس ما يُكتب في النصوص، بل ما يلمسه المواطن في واقعه.

دولة الرئيس…

إن التاريخ لا يتذكر عدد الاجتماعات، ولا كثرة الخطط، بل يتذكر القرارات التي صنعت الفرق، والقيادات التي أحسنت استثمار لحظة التحول.

واليوم، لا يحتاج الأردن إلى حكومة تُدير المرحلة المقبلة فحسب، بل إلى حكومة تقودها…

حكومة جديدة في منهج التفكير قبل أن تكون جديدة في الأشخاص، تجعل الكفاءة معيارًا، والإنجاز مقياسًا، والمواطن محورًا، والشراكة الوطنية نهجًا، والمستقبل مشروعًا يُصنع لا واقعًا يُنتظر.

مدار الساعة ـ