تُعدّ النهضة الصينية من أعظم التحولات الاقتصادية في التاريخ الحديث فقد انتقلت الصين من اقتصاد زراعي محدود وإمكانات صناعية متواضعة إلى ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومركز عالمي للتصنيع والتجارة والتكنولوجيا وهذا التحول لم يكن صدفة. بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية بعيدة المدى وإصلاحات اقتصادية جريئة واستثمارات ضخمة في الإنسان والتعليم والبنية التحتية والتكنولوجيا إلى جانب قدرة استثنائية على التخطيط والتنفيذ.
انطلقت مسيرة التحول الحديثة عام1978 عندما أطلق الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ سياسة الإصلاح والانفتاح التي فتحت الباب أمام الاستثمار المحلي والأجنبي وأنشأت المناطق الاقتصادية الخاصة التي تحولت إلى مراكز صناعية وتجارية جذبت كبرى الشركات العالمية وساهمت في نقل التكنولوجيا والخبرات إلى الداخل الصيني.
وسرعان التصنيع أصبح المحرك الرئيسي للنمو وصين "مصنع العالم". استفادت من وفرة القوى العاملة وانخفاض تكاليف الإنتاج والدعم الحكومي للصناعة والتصدير لتغزو منتجاتها الأسواق العالمية وتحقق فوائز تجارية هائلة عززت احتياطاتها من النقد الأجنبي.
ولم يقتصر النجاح على المصانع بل امتد إلى البنية التحتية التي شهدت طفرة غير مسبوقة.
فقد شيدت الصين آلاف الكيلومترات من الطرق السريعة وأكبر شبكة للقطارات فائقة السرعة إضافة إلى موانئ ومطارات حديثة ما وفر شبكة لوجستية متطورة دعمت التجارة الداخلية والخارجية وربطت المدن والمناطق الصناعية بكفاءة عالية. وفي الوقت ذاته، أدركت القيادة الصينية أن الاقتصاد القوي يبدأ من الإنسان، لذلك استثمرت بكثافة في التعليم والبحث العلمي حتى انتقلت البلاد من تقليد المنتجات إلى الابتكار وصناعة التكنولوجيا.
واليوم تتنافس الشركات الصينية في مجالات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والتجارة الإلكترونية والسيارات الكهربائية وأشباه الموصلات لتصبح من أبرز اللاعبين في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ومن أعظم إنجازات التجربة الصينية نجاحها في انتشال مئات الملايين من الفقر وهو ما يُعد أكبر عملية للحد من الفقر في التاريخ الحديث، بالتزامن مع ارتفاع مستويات المعيشة وتحسّن الخدمات الصحية والتعليمية وتوسع عمراني هائل غيّر ملامح المدن الصينية. وعلى الساحة الدولية عزّز انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 اندماجها في الاقتصاد العالمي.
ثم جاءت مبادرة الحزام والطريق لتوسع نفوذها الاقتصادي والاستثماري عبر آسيا وإفريقيا وأوروبا وتمنحها دوراً متزايداً في رسم ملامح التجارة العالمية. ورغم هذا النجاح اللافت لا تخلو المسيرة من التحديات.
فالصين تواجه اليوم تباطؤاً في معدلات النمو مقارنة بعقودها الذهبية وشيخوخة سكانية وتوترات تجارية وتكنولوجية مع بعض القوى الكبرى إضافة إلى ضرورة تحقيق تنمية أكثر استدامة وصديقة للبيئة.
ومع ذلك تواصل إعادة هيكلة اقتصادها بالتركيز على الابتكار والتكنولوجيا المتقدمة وتعزيز الاستهلاك المحلي بما يضمن استمرار قدرتها على المنافسة.
وفي النهاية فإن النهضة الاقتصادية الصينية ليست مجرد قصة نجاح لدولة بل دليل على أن الرؤية الواضحة والتخطيط طويل الأمد والاستثمار في الإنسان والانفتاح الاقتصادي المدروس يمكن أن يصنع تحولاً تاريخياً يغير مكانة الدول في الاقتصاد العالمي. ولهذا ستظل التجربة الصينية موضع اهتمام وإلهام للباحثين وصناع القرار.