ما جرى تحت قبة مجلس النواب خلال التصويت على المادة الثانية من مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية ليس حادثة إجرائية عابرة، ولا تفصيلًا يمكن تجاوزه بمجرد الانتقال إلى المادة التالية. نحن أمام واقعة تمس جوهر العمل النيابي، وتضع الثقة بالمجلس وبسلامة العملية التشريعية أمام اختبار بالغ الخطورة.
خلال التصويت على مقترح شطب عبارة «السكك الحديدية» من تعريف الطريق، سُمع رئيس الجلسة يعلن وجود أغلبية مؤيدة للمقترح، قبل أن تتغير النتيجة بعد لحظات إلى عبارة: «لم تتم الموافقة»، من دون أن يظهر للرأي العام إجراء تصويت جديد واضح ومكتمل. وبغض النظر عن الموقف من المادة أو من مضمون مشروع القانون، فإن السؤال الأخطر هو: كيف يمكن لنتيجة تصويت أن تتغير بعد إعلانها؟القضية هنا ليست مجرد خلاف حول السكك الحديدية، ولا حول الاستملاك أو ما يسمى الربع القانوني، رغم أهمية هذه الموضوعات واتصالها المباشر بحق الملكية والتعويض. القضية الأساسية تتعلق باحترام إرادة أعضاء مجلس النواب، والتي تمثل إرادة الشعب، كما تتعلق بسلامة الإجراءات التي تتحول من خلالها أصوات النواب إلى قوانين ملزمة للمواطنين .رئاسة الجلسة تتولى تنظيم النقاش وإدارة التصويت وإعلان النتيجة، لكنها لا تملك استبدال النتيجة التي أفرزها التصويت بتقدير آخر. فإذا حصل خطأ في عد الأصوات، أو ثارت شبهة حول النتيجة، فإن النظام الداخلي للمجلس رسم طريقًا واضحًا لمعالجة ذلك، لا يقوم على تغيير الإعلان شفهيًا، وإنما على إعادة التصويت وفق الأصول.فالمادة 85 من النظام الداخلي تنص على أن قرارات المجلس تصدر بأكثرية أصوات الأعضاء الحاضرين، بينما تجيز المادة 86 إجراء التصويت باستخدام الوسائل التقنية أو برفع الأيدي أو بالقيام. والأهم أن الفقرة ج من المادة ذاتها تنص على أنه إذا حصلت شبهة حول أي تصويت وطلب عشرة نواب على الأقل إعادته، وجب إعادة التصويت.وهذا يعني أن وجود الشك لا يبرر تعديل النتيجة، وإنما يوجب العودة إلى المجلس نفسه، لأن المجلس هو صاحب القرار، وليس رئيس الجلسة أو الحكومة أو اللجنة القانونية أو أي جهة أخرى. الفرق كبير بين تصحيح خطأ من خلال تصويت رسمي جديد، وبين إعلان نتيجة ثم استبدالها بنتيجة مغايرة من دون إجراء واضح يمكن للنواب والمواطنين التحقق منه. الحياة السياسية الأردنية تعبت من أزمة الثقة. والمجلس النيابي، بصفته المؤسسة المنتخبة التي يفترض أن تعبّر عن إرادة المواطنين، يجب أن يكون أول من يحمي هذه الثقة، لا أن يضيف أسبابًا جديدة لتراجعها. ومن يعتقد أن فقدان الثقة بسلطة دستورية كاملة يمكن أن يبقى محصورًا داخل جدرانها فهو مخطئ ، لأن اهتزاز الثقة بمجلس النواب يفتح الباب أمام فقدان الثقة بالمؤسسات وبالانتخابات وبجدوى المشاركة السياسية برمتها.المواطن الذي يشاهد نتيجة تصويت تتغير أمامه سيسأل، وبحق: ما قيمة مواقف النواب وأصواتهم إذا كانت النتيجة المعلنة قابلة للتبديل؟ وما جدوى انتخاب نائب ومحاسبته على تصويته إذا لم تكن هناك سجلات واضحة تبين كيف صوّت المجلس، وما العدد الحقيقي للموافقين والمخالفين والممتنعين؟إن حماية المجلس لا تكون بالصمت أو بمحاولة التقليل من خطورة ما حدث، بل بالشفافية الكاملة. والمطلوب نشر تسجيل الجلسة كاملًا، وإعلان العدد الفعلي للأصوات، وبيان ما إذا كان قد جرى تصويت ثانٍ، وتوضيح الأساس النظامي الذي استندت إليه رئاسة الجلسة في إعلان النتيجة النهائية.كما يتعين الرجوع إلى المحضر التفصيلي للجلسة؛ إذ يوجب النظام الداخلي تدوين جميع إجراءات الجلسة ومناقشاتها وقراراتها، ويقرر نشر المحضر بعد موافقة المجلس عليه. وإذا ظهر أن النتيجة أُعلنت بصورة خاطئة، فإن الاعتراف بالخطأ وإعادة التصويت لا ينتقصان من هيبة المجلس، بل يعيدان إليه شيئًا من الثقة التي تعرضت للاهتزاز.أما الاكتفاء بالصمت، أو تمرير الواقعة باعتبارها مجرد ارتباك في إدارة الجلسة، سيؤكد الانطباع بأن إرادة المجلس يمكن تجاوزها، وأن بعض القرارات قد تُحسم خارج عملية التصويت نفسها. وهذا انطباع خطير لا يجوز تركه يترسخ في وعي المواطنين. حان الوقت لاعتماد التصويت الإلكتروني المعلن في جميع مشاريع القوانين، وإظهار أعداد الموافقين والمخالفين والممتنعين على الشاشات، وحفظ نتائج كل تصويت ضمن سجل رسمي يمكن الرجوع إليه. فالتشريع ليس مسألة تقديرية أو مشهدًا مرتجلًا، وإنما ممارسة دستورية يجب أن تخضع لأعلى معايير الدقة والشفافية.ما حدث يحتاج إلى تفسير واضح ومراجعة مؤسسية ومحاسبة حقيقية. والسؤال الذي ينتظر الأردنيون إجابته ليس فقط: كيف تغيرت النتيجة؟ بل أيضًا: من يدير المشهد، ومن يتحمل مسؤولية العبث بإرادة النواب وقرارات المجلس؟إن بقي هذا السؤال بلا جواب، فقد تكون تلك الواقعة مسمارًا جديدًا، وربما الأخير، في نعش الثقة بالمجلس النيابي.نعش الثقة بالمجلس النيابي.. من يحمي إرادة الشعب؟
مدار الساعة ـ