قبل أكثر من أربع سنوات أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ما سماها عملية عسكرية في أوكرانيا. كان الاعتقاد السائد في ذلك الوقت، أن الهجوم الروسي سيكون خاطفا ويحقق أهدافه في بضعة أشهر على أبعد تقديره، ما يجعل وصفه بالحرب مبالغة غير مستحقة من قبل قوة عظمى لبلد كان قبل عقود قريبة جمهورية تابعة لموسكو.
لكن العملية العسكرية سارت على خلاف تقديرات سيد الكرملين، وها هي تطوي سنة بعد أخرى دون أن تسجل موسكو نصرا ساحقا، يفرض على كييف شروط الاستسلام.الرئيس الأميركي دونالد ترامب، شن قبل خمسة أشهر هجوما واسعا على إيران، بمشاركة إسرائيل. لم يسمها حربا بشكل رسمي، إنما" عمليات عسكرية" أطلق عليها اسم" الغضب الملحمي.كان ترامب مثل بوتين، يعتقد أن الجيش الأقوى في العالم ومعه جيش إسرائيل، سينجز المهمة في غضون أسابيع، تركع بعدها إيران مستسلمة، أو تصحو على فجر جديد.قبل أيام تبنه ترامب، إلى أن الحرب التي تجاوزت مهلة الأسابيع الأربعة، وزادت عن خمسة أشهر، ليست حربا، إنما عملية عسكرية، قد تستدعي جولات أخرى من القصف العنيف إذا لم تلتزم طهران بشروط التفاوض في مذكرة التفاهم.في الحالتين الروسية والأميركية، وقع الرئيسان القويان والمتفردان، أسرى الحسابات الخاطئة، وتحت وطأة شعور بالعظمة دفع بهما إلى تجاهل تقديرات أصحاب الخبرة في ميدان العسكرية والاستخبارات. ها هي" العملية العسكرية" ضد أوكرانيا تدخل عامها الخامس، مخلفة خسائر هائلة في الأرواح، وكارثة اقتصادية طالت دول العالم أجمع. عملية حولت أوكرانيا التي ينهشها الفساد، لبلد محطم. أما روسيا؛ القوة النووية الكبرى، فهى اليوم تكافح لحماية سماء موسكو من المسيرات الأوكرانية، وتعاني أشد المعاناة لتأمين مصادر الطاقة في بلد ينام على أكبر مخزون عالمي من الغاز. ولا تقف أكلاف الحرب عند هذا الحد، فقد خسرت روسيا خيرة شبابها على الجبهات، وعادت إلى جحيم العقوبات الاقتصادية. وصمود أوكرانيا المدعوم بمليارات أميركية وأوروبية، ليس بلا ثمن، فالبلد باع مستقبله كله تقريبا للغرب، ولن يكفي إنتاجها لعقود قادمة في الوفاء بديونها الثقيلة.خمسة أشهر من الحرب واللاحرب في الشرق الأوسط، كانت كافية لشل الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، وتكبيد دول الخليج العربي والمنطقة خسائر بمئات المليارات، ناهيك عن فواتير الحرب الباهظة على الاقتصاد الأميركي، وخسائر إيران الكبيرة في البنية التحتية والاقتصاد الخاضع منذ سنوات طويلة لعقوبات أنهكته، وأنهكت الشعب الإيراني. حرب طالت بنيرانها أكثر من عشر دول.فهل يصح في مثل هذا الحال أن نصف ما يحدث بالمنطقة بأنه مجرد عملية عسكرية، أو لحظة غضب ملحمي، ستهدأ بعدها الأمور وتستقر أحوال المنطقة؟إن ترامب يمضي على خطى بوتين، ويستهدي بوصفه لمقاربة حربه على إيران، فمعنى ذلك أننا قد نغرق في حالة حرب طويلة، تصعد وتيرتها حينا، وتهدأ حينا آخر. ذلك يعني كارثة مديدة ستحل بالمنطقة والعالم. لنتصور كيف يكون حال عالم يعيش حربي استنزاف في نفس الوقت، حرب في قلب أوروبا، وأخرى في قلب شرق الأوسط. هناك في روسيا حيث المخزون الضخم من مصادر الطاقة، وهنا في الخليج العربي الاحتياطي الأكبر من النفط والغاز، ومن حوله قوى أيديولوجية مدججة بالعداء التاريخي، وتحمل في قلوبها جبالا من الضغينة ضد بعض.أوليست هذه حروبا بدرجة الامتياز؟!