أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تمكين المرأة العاملة في القطاع الزراعي: هل هو خيار تنموي أم ضرورة استراتيجية؟


د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة

تمكين المرأة العاملة في القطاع الزراعي: هل هو خيار تنموي أم ضرورة استراتيجية؟

د.م. عالية رضوان الغصون
د.م. عالية رضوان الغصون
باحثة مختصة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التنمية المستدامة
مدار الساعة ـ

في ظل التحديات المتزايدة التي يواجهها القطاع الزراعي، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية تحسين الإنتاج أو زيادة الكفاءة، بل أصبح أكثر عمقًا: هل نستثمر بشكل كافٍ في أهم مورد بشري غير مستغل بالكامل في هذا القطاع، وهو المرأة؟

تُعد المرأة جزءًا أساسيًا من منظومة الإنتاج الزراعي، حيث تشارك في مختلف مراحل العملية الزراعية، بدءًا من الزراعة والحصاد، وصولًا إلى التصنيع الغذائي والتسويق. ورغم هذا الدور الحيوي، لا تزال مساهمتها غالبًا غير معترف بها بشكل كافٍ من الناحية الاقتصادية أو المؤسسية، مما يحد من قدرتها على التأثير في تطوير هذا القطاع. في دول مثل الأردن، التي تواجه تحديات مركبة تتمثل في شح الموارد المائية، وتغير المناخ، وتذبذب الإنتاج الزراعي، يصبح تمكين المرأة في القطاع الزراعي عنصرًا أساسيًا لتحقيق الاستدامة. فالمرأة الريفية تمتلك معرفة تراكمية بالبيئة المحلية، وأساليب التعامل مع الموارد، إلا أن هذه المعرفة لا يتم توظيفها ضمن أطر علمية حديثة تساهم في تطوير الإنتاج وتحسين كفاءته.

تكمن المشكلة، كما هو الحال في العديد من قضايا التنمية الزراعية، ليس في نقص الموارد البشرية، بل في آليات إدارة هذه الموارد. فالمرأة العاملة في الزراعة غالبًا ما تواجه تحديات تتعلق بمحدودية الوصول إلى التمويل، وضعف التدريب التقني، وغياب الدعم المؤسسي، مما يقلل من قدرتها على تبني التقنيات الحديثة أو المشاركة في اتخاذ القرار الزراعي. إن تمكين المرأة زراعيًا لا يعني فقط تحسين ظروف عملها، بل يتجاوز ذلك ليشمل دمجها في منظومة الزراعة الذكية. فمن خلال توفير التدريب على استخدام التقنيات الحديثة، مثل أنظمة الري الذكية، وتحليل البيانات الزراعية، يمكن للمرأة أن تصبح عنصرًا فاعلًا في اتخاذ قرارات مبنية على المعرفة، تسهم في رفع الإنتاج وتقليل الهدر. كما أن إشراك المرأة في سلاسل القيمة الزراعية، وخاصة في مجالات التصنيع الغذائي والتسويق، يعزز من القيمة الاقتصادية للإنتاج الزراعي، ويخلق فرصًا جديدة للدخل، خاصة في المجتمعات الريفية. هذا بدوره ينعكس إيجابًا على الأمن الغذائي، ويقلل من معدلات الفقر والبطالة.

وفي هذا السياق، يبرز تمكين المرأة من أدوات الزراعة الذكية كعامل حاسم في تقليل الخسائر الزراعية قبل تحقيق الأرباح. فالمبدأ الاقتصادي الأساسي يشير إلى أن بداية الربح تكمن في إيقاف الخسارة، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال استخدام التقنيات الحديثة التي تساعد في مراقبة المحاصيل، وتحديد احتياجاتها الفعلية من المياه والأسمدة، والكشف المبكر عن الأمراض والآفات. إن تزويد المرأة بهذه الأدوات لا يحسن فقط من إنتاجيتها، بل يقلل من المخاطر التي تواجهها، ويعزز قدرتها على اتخاذ قرارات دقيقة تقلل من الهدر في الموارد وترفع من كفاءة الإنتاج. وبذلك، تتحول من عاملة تقليدية إلى فاعل رئيسي في إدارة المخاطر الزراعية وتحقيق الاستدامة الاقتصادية.

ولا يقتصر دور تمكين المرأة على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليشمل الأبعاد الاجتماعية والتنموية، حيث يسهم في تعزيز الاستقرار المجتمعي، وتحسين مستوى التعليم والصحة داخل الأسر الريفية. فكل استثمار في المرأة هو استثمار مضاعف في المجتمع ككل. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا التمكين يتطلب وجود سياسات واضحة تدعم مشاركة المرأة في القطاع الزراعي، وتوفر بيئة مناسبة لعملها، من خلال تسهيل الوصول إلى الموارد، وتقديم برامج تدريبية متخصصة، وتعزيز الشراكة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات البحثية.

في النهاية، لم يعد تمكين المرأة في الزراعة خيارًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة استراتيجية لتحقيق تنمية زراعية مستدامة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: هل يجب تمكين المرأة؟ بل: كيف يمكننا الاستفادة من كامل طاقاتها لبناء قطاع زراعي أكثر كفاءة، وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية؟ إن مستقبل الزراعة يعتمد على قدرتنا على توظيف جميع الموارد المتاحة، وفي مقدمتها الإنسان، والمرأة تحديدًا، باعتبارها شريكًا أساسيًا في تحقيق الأمن الغذائي والتنمية المستدامة.

مدار الساعة ـ