أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

هل يصحو العراق من الكابوس الإيراني؟


مكرم الطراونة

هل يصحو العراق من الكابوس الإيراني؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

في العام 2003، وفي أعقاب سقوط نظام الرئيس الراحل صدام حسين، واجه العراق معضلتين أساسيتين، أولاهما انهيار الدولة والمؤسسات، والثانية أنه وجد نفسه في فراغ سياسي وإقليمي هائل. وقتها، ارتكب النظام العربي خطأ إستراتيجيا مكلفا عندما تعامل بحذر شديد مع العراق الجديد، ورفضت غالبية الدول العربية الاعتراف بمجلس الحكم الانتقالي، وسحبت بعثاتها الدبلوماسية من بغداد لسنوات طويلة، تاركة الساحة مفتوحة أمام الطرف الأكثر استعدادا لملء الفراغ، وهو إيران.

نجاح إيران جاء نتيجة إستراتيجية طويلة الأمد استثمرت في السياسة والمجتمع والدين والاقتصاد والأمن. وبينما كان العرب يترددون في الانخراط في العراق خشية شرعنة الاحتلال الأميركي، كانت طهران تبني شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتدعم أحزابا سياسية، وتشكل فصائل مسلحة، وتؤسس منظومة مصالح اقتصادية واجتماعية جعلت ارتباط أجزاء واسعة من الطبقة السياسية العراقية بإيران ارتباطا عضويا يصعب فكه.

بعد أكثر من عقدين، تبدو الصورة أكثر تعقيدا. فإيران لم تعد مجرد دولة مؤثرة في العراق، بل أصبحت تمتلك نفوذا واسعا داخل مفاصل الدولة، وتستفيد من الموارد الاقتصادية العراقية في مواجهة العقوبات الأميركية، وتستخدم الأراضي العراقية ساحة لتصفية حساباتها الإقليمية، كما استخدمت بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بها الأراضي العراقية في تهديد دول عربية، ومنها الأردن، عبر عمليات تهريب أو إطلاق طائرات مسيرة أو صواريخ في مراحل مختلفة من التوتر الإقليمي.

الأصوات العراقية المعارضة للنفوذ الإيراني، واجهت ضغوطا سياسية وأمنية كبيرة، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى الاغتيالات والترهيب، ما جعل مساحة الحركة أمام القوى الوطنية العراقية أكثر ضيقا، رغم استمرار وجودها.

لكن ذلك لا يأخذنا إلى الاستنتاج أن العراق أصبح خارج الفضاء العربي بصورة نهائية، فرغم ما حدث، لم يفقد هويته العربية ولا مصالحه العربية. والغالبية الساحقة من العراقيين تنظر إلى بلدها بوصفه دولة ذات هوية عربية وإسلامية مستقلة، وليست امتدادا لدولة أخرى. كما أن قطاعات واسعة من النخب السياسية والاقتصادية والثقافية تدرك أن استمرار الارتهان لأي قوة خارجية يحرم العراق من استعادة دوره الطبيعي في المنطقة. المزاج الشعبي العراقي، كذلك، شهد تحولات واضحة خلال السنوات الأخيرة، ورفضا للتبعية الخارجية. صحيح أن التحولات لم تغير موازين القوى بصورة جذرية، لكنها كشفت وجود تيار وطني واسع يسعى إلى بناء دولة مستقلة القرار.

لكن الخروج من دائرة النفوذ الإيراني لن يتحقق بقرار سياسي مفاجئ، ولا عبر مواجهة مباشرة، وإنما عندما يتشكل داخل العراق شعور وطني عام بأن مصلحة العراقي تكمن في استقلال قراره، وأن الدولة التي تربط مصيرها بأجندة خارجية، أيا كان مصدرها، تفقد قدرتها على حماية مصالح شعبها، وتبتعد تدريجيا عن محيطها الطبيعي. كما أن استمرار بعض القوى السياسية في تقديم أولويات طهران على أولويات بغداد سيجعل العراق، مهما امتلك من إمكانات، خارج حسابات الشراكة العربية الحقيقية، لأن العرب لا يستطيعون بناء علاقات إستراتيجية مع دولة لا تمتلك قرارها السيادي بصورة كاملة.

معادلة موازين القوى في الداخل العراقي تبدو معقّدة كثيرا، لكن التاريخ يعلّمنا ألا نتعامل مع موازين القوى باعتبارها حقائق أبدية. الطبقات السياسية التي صنعتها إيران داخل العراق ليست قدرا لا يتغيّر، كما أن النفوذ الإقليمي، مهما بدا راسخا، يظل مرتبطا بظروف سياسية وأمنية واقتصادية قابلة للتبدل. التاريخ فاجأنا كثيرا بتحولات كبرى أطاحت بأنظمة ونخب وتحالفات كانت تبدو عصية على التغيير. إذا استطاع العراقيون أن يرسخوا فكرة أن ولاءهم الأول يجب أن يكون للدولة العراقية وحدها، وأن عمقهم العربي يمثل فرصة للتنمية والاستقرار لا ساحة للصراع، فإن استعادة العراق لمكانته العربية لن تكون حلما مستحيلا، بل مسارا تاريخيا ممكنا، مهما طال الزمن، وعندها سوف يصحو العراق من الكابوس الإيراني الذي يجثم على صدره.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ