لا تتوقف الحرب حتى الآن، ولو أرادت واشنطن وقفها لأوقفتها بعد كل هذه المواجهات التي حدثت، لكنها تستعمل الحرب وسيلة لهدم الإقليم، وإعادة بناء حجارته من جديد.
هذه ليست مبالغة، لأن واشنطن كان بإمكانها منذ زمن بعيد شن حرب على طهران الرسمية، وإنهاء النظام، لكنها وبشكل مدروس وانتهازي تركته في سياق إثارة النزاعات في المنطقة، بحيث تبقى إيران مهددا سياسيا، تقوم واشنطن بابتزاز المنطقة اقتصاديا، وأمنيا، بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، إضافة إلى إشعال نزاع سني شيعي، يصب في إطار تفتيت المنطقة، وإثارة النزاع والكراهية بين مكوناتها، وهذا ما نشهده منذ عام 1979 حتى يومنا هذا.ما تزال واشنطن تلعب نفس اللعبة اليوم، لكن بشروط مختلفة، من خلال إشعال حرب في المشرق العربي بكل حساسيته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بهدف إدامة التطاحن في المنطقة، وابتزاز المنطقة لحمايتها، وهذا يعني أن واشنطن هنا توظف الخصومة لغايات إستراتيجية، أي الخصومة مع طهران، ولا تريد إنهاءها جذريا فهي مفيدة لها إستراتيجيا، وتعد واشنطن من أبرز النماذج الدولية في توظيف الخصوم من حيث لا يحتسبون قبل الحلفاء.المشرق العربي يجد نفسه في أصعب أحواله، حتى أن النار امتدت إلى مصر، وتم اتهام إيران بإطلاق المسيرات، فيما عملاء إسرائيل قد يكونون هم وراء إطلاق المسيرات على سفن الغاز في دمياط، لأن الهدف أيضا خلخلة مصر، وتجهيزها لمخططات أخرى، ورغم أن دمياط بعيدة كل هذا البعد، فإن الهدف الجوهري هو توسعة الحرب، وهي الأوسع جغرافيا حتى الآن، مقارنة بحروب سابقة، وهذا ما شهدناه أيضا ضد سلطنة عمان التي تعد وسيطا فإذ بها تتعرض للقصف، أيضا، في سياقات فرض الأدوار والشروط.تتسرب معلومات مجددا حول نية واشنطن وتل أبيب قصف منشآت الطاقة في إيران، وتردّ طهران بالتهديد أيضا. وبينهما، تتعرض المنطقة الإسلامية إلى خسائر غير مسبوقة إنسانيا واقتصاديا، بما في ذلك المجتمع الإيراني الذي انهكته الحروب والعقوبات وهذه الحالة، مع الإقرار هنا بكون إيران ما تزال قادرة على الرد بالصواريخ والمسيرات، والتحكم بمضيقي هرمز وباب المندب، إضافة إلى المعلومات المتسربة حول خطط من أطراف مختلفة تصل إلى مضيق جبل طارق الذي يفصل بين البحر الأبيض المتوسط والأطلسي، بما يعنيه ذلك من تأثير على الملاحة والتجارة العالمية، وتدفقات الطاقة، والسلع، وتأثر شعوب العالم بكل هذا.لا تريد الولايات المتحدة وقف الحرب مع إيران، رغم أنها ترى أن كلفة الحرب ترتد على كل المنطقة، الحلفاء والخصوم. وما دامت هي قادرة على تسييل فواتير الحرب إلى خزائنها، ستواصل هذه الحالة، لا حرب كاملة، ولا هدنة مستقرة، فيما ستقول لنا الأيام إذا ما كانت هذه المقامرة الأميركية بأمن المنطقة وشعوبها، لترضية إسرائيل، ستؤدي إلى نتائج كارثية خارج السيطرة، وقد أثبتت تجارب أميركية سابقة، أن بعض حروبها فشلت وخرجت عن السيطرة.دوافع الحرب وظيفية، ولو أرادت واشنطن وقفها، لأوقفتها، لكنها توظف الحرب لإعادة صياغة خريطة الإقليم، وتوطئة للذهاب إلى دول أخرى، من تركيا إلى الجزائر.هل ستنجح واشنطن.. ربما ستنجح، وربما ستفشل وتأخذ كل المنطقة إلى محرقة كبرى.الحرب لا يريدون وقفها لهذه الأسباب
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ