تثبيت أسعار المحروقات قد يكون قراراً شعبياً، لكنه ليس قراراً مالياً رشيداً، إنه قرار حكومي خاطئ بامتياز؛ لأنه يؤجل المشكلة ولا يحلها، ويوزع الدعم بلا استهداف، ويضيف أعباء جديدة إلى مالية عامة تعاني أصلاً من العجز والفوائد والمديونية، وفي النهاية، قد لا يدفع المواطن الكلفة اليوم، لكنه سيدفعها غداً بصورة ضرائب أو خدمات أقل أو دين نورثه للأجيال المقبلة.
لذلك، فإن تثبيت أسعار المحروقات، وتحمل الخزينة دعماً وفروقات سعرية تقدر بنحو 212 مليون دينار، ليس قراراً مالياً عادياً يمكن المرور عليه دون التوقف عند تداعياته، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المالية العامة، واتساع عجز الموازنة، وارتفاع مستويات الدين العام وكلفة خدمته.وقد يبدو القرار مريحاً للمواطن على المدى القصير، لكنه في جوهره يحمل الخزينة كلفة كبيرة لا تتناسب مع أوضاعها المالية، ولا مع قواعد التسعير التي يفترض أن تعكس حركة أسعار المشتقات النفطية عالمياً وكلف استيرادها ونقلها وتخزينها.المشكلة ليست في رغبة الحكومة في حماية المواطنين من ارتفاع الأسعار، وإنما في طريقة تمويل هذه الحماية، وفي شمولها الجميع دون تمييز، فعندما تتحمل الخزينة 212 مليون دينار، فإن هذه الأموال لا تأتي من مصدر سحري؛ بل ستعني، ما لم تقابلها وفورات حقيقية، زيادة في العجز، أو تراجعاً في تمويل أولويات أخرى، أو مزيداً من الاقتراض والمديونية.وتكشف أرقام الموازنة أن الخزينة تتحمل أصلاً فاتورة دعم كبيرة؛ إذ ارتفعت أبرز بنود الدعم من 916 مليون دينار في 2025 إلى نحو 1.03 مليار دينار في 2026، بزيادة مقدارها 114 مليون دينار ونسبتها 12.4 %، كما ارتفعت مخصصات دعم أسطوانة الغاز من 63 مليوناً إلى 80 مليون دينار، بزيادة تقارب 27 %، إلى جانب 280 مليون دينار للمعونة النقدية، و210 ملايين لدعم تنمية البلديات، و80 مليوناً لدعم الجامعات، و35 مليوناً لصندوق دعم الطالب.ورغم أن مبلغ 212 مليون دينار يشمل فروقات أسعار عدد من المشتقات ولا يقتصر على أسطوانة الغاز، فإنه يكشف حجم التوسع في تدخل الخزينة خارج المخصصات الأصلية، ويطرح سؤالاً واضحاً: تحت أي بند ستسجل هذه الكلفة، وكيف ستُموّل؟الأرقام المالية تزيد القلق؛ فحتى نهاية نيسان 2026، ارتفعت النفقات العامة إلى 4.097 مليار دينار، مقابل 3.798 مليار دينار خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة 299 مليوناً، وارتفعت النفقات الجارية 8.4 %، ومدفوعات الفائدة 10.9 % إلى 896.8 مليون دينار، فيما اتسع العجز بعد المنح إلى 693.2 مليون دينار، مقابل 469.3 مليون دينار، أي بزيادة تقارب 224 مليوناً خلال أربعة أشهر فقط.وهنا يجب أن نطرح السؤال الأهم: من سيدفع ثمن هذا القرار؟المفارقة أن الحكومة لن تحصد حتى عائداً شعبياً يوازي هذه الكلفة، فالناس لن تخرج إلى الشوارع لتصفق لقرار التثبيت، ولن تتعامل معه باعتباره إنجازاً استثنائياً، لأن تثبيت السعر لا يشعر به المواطن مثلما يشعر بالتخفيض، رغم أن الخزينة تحملت فاتورة ضخمة باسمه.وإن توقيت الصيف كان الأنسب لتطبيق معادلة التسعير، في ظل النشاط السياحي وعودة المغتربين ودخول أعداد كبيرة من المركبات الخليجية، أما تثبيت الأسعار بصورة شاملة فيعني أن الخزينة لا تدعم المواطن محدود الدخل فقط، انما تدعم أيضاً استهلاك السياح والمقتدرين والمغتربين والمركبات غير الأردنية، فأين العدالة في أن تتحمل الخزينة دعم كل لتر، بصرف النظر عن هوية المستهلك وقدرته المالية؟ويأتي القرار قبل نحو شهرين من المراجعة السادسة لبرنامج التصحيح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، ما يفرض على الحكومة توضيح كيفية التوفيق بين هذه الكلفة والتزاماتها بخفض العجز وضبط الدين، فهل ستعوضها بتقليص الإنفاق الرأسمالي؟ أم بزيادة الاقتراض؟ أم بفرض ضرائب ورسوم جديدة؟ أم ستلجأ إلى موازنة تكميلية؟ جميع هذه الخيارات تعني أن الفاتورة لم تختفِ، بل جرى تأجيلها أو نقلها إلى مكان آخر.الحكومة تستطيع الاقتراض، وهذا هو القرار الأسهل في اللحظة الراهنة، لكنها لا تستطيع إلغاء فاتورة الاقتراض، لكن المطلوب ليس ترك المواطن وحيداً أمام ارتفاع كلف الطاقة، وإنما إيصال الدعم مباشرة إلى مستحقيه، وحماية قطاعات النقل والإنتاج وفق معايير محددة، بدلاً من دعم سعري شامل يستفيد منه الجميع وتتحمل الخزينة كلفته.قرار حكومي خاطئ بامتياز
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ