أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الحرية حين يصبح الاختيار امتحاناً للروح


د. عمّار محمد الرجوب

الحرية حين يصبح الاختيار امتحاناً للروح

مدار الساعة ـ

ليست الحرية أن تُفتح أمام الإنسان جميع الأبواب، بل أن يمتلك البصيرة التي تجعله يعرف أيَّ باب يستحق أن يعبره. فكم من إنسان ظن أنه تحرر من القيود، بينما كان ينتقل من قيدٍ ظاهر إلى آخر خفي، وكم من آخر عاش بين حدود ضيقة، لكنه حمل في داخله فضاءً لا تستطيع أسوار العالم أن تطوقه. لذلك لم تكن الحرية، في جوهرها، مساحةً نتحرك فيها، بل حالةً نرتقي إليها.

منذ فجر التاريخ، والإنسان يخوض معركته الطويلة بحثاً عن الحرية. قاوم الطغيان، وواجه الاستبداد، وأسقط إمبراطوريات، لكنه كثيراً ما خسر المعركة الأصعب، معركته مع ذاته. فما قيمة أن يتحرر الجسد إذا بقي العقل أسيراً للتعصب؟ وما جدوى أن ينطق اللسان بما يشاء، إذا كان الضمير عاجزاً عن قول الحقيقة؟ إن أقسى أنواع العبودية ليست تلك التي تُفرض بالسلاسل، بل تلك التي يعتادها الإنسان حتى يظنها جزءاً من طبيعته.

ولعل أخطر ما يواجه الإنسان ليس من يسلبه حريته، بل ما يسلب إرادته. فالخوف، والطمع، والكبرياء، وحب القبول، جميعها سجون لا تُرى، لكنها قد تكون أشد إحكاماً من جدران الحجر. ولهذا كان الإنسان أحياناً هو السجّان والسجين في آنٍ واحد؛ يبني حول نفسه أسواراً من الوهم، ثم يقضي عمره يبحث عن مفتاح الخلاص.

إن الحرية ليست أن تفعل كل ما تريد، بل أن تمتلك القدرة على ألا تفعل كل ما تستطيع. إنها انتصار العقل على الاندفاع، وانتصار الضمير على المصلحة، وانتصار الحكمة على الإغراء. فالإنسان الحر ليس الذي تحكمه رغباته، وإنما الذي يحسن قيادتها دون أن يسمح لها بقيادة مصيره.

وهنا يلتقي العقل بالأخلاق. فالعقل يمنح الإنسان القدرة على الاختيار، لكن الأخلاق تمنحه القدرة على اختيار ما يستحق. وبين الاثنين تولد المسؤولية، لأنها الوجه الآخر للحرية. فمن أراد حقوق الحرية، عليه أن يقبل أيضاً أعباءها، إذ لا معنى لحرية تُلحق الأذى بالآخرين، ولا قيمة لاختيار يُبنى على ظلم أو استعلاء أو أنانية.

ولذلك لم تكن الحضارات العظيمة تلك التي رفعت شعار الحرية فقط، بل التي نجحت في تحويلها إلى ثقافة ومسؤولية. فحين تغيب الأخلاق، تتحول الحرية إلى فوضى، وحين يغيب العقل، تتحول إلى اندفاع، وحين يغيب الضمير، تصبح مجرد ذريعة لتبرير كل شيء. أما حين تجتمع هذه الثلاثة، فإن الحرية تصبح الطريق الذي يرقى بالإنسان، لا الذي يشتته.

ولعل أعظم صور الحرية أن يمتلك الإنسان شجاعة مراجعة نفسه. فمن السهل أن ننتقد الآخرين، لكن الأصعب أن نقف أمام ذواتنا بصدق، وأن نعترف بأخطائنا دون خوف، وأن نغيّر قناعاتنا حين يقودنا الدليل إلى ما هو أصدق. تلك ليست هزيمة، بل أرقى درجات النضج، لأن العقل الذي يخشى المراجعة يفقد حريته، حتى وإن ظن أنه يملك الحقيقة.

إن العالم اليوم يمنح الإنسان خيارات لا حصر لها، لكنه لا يمنحه دائماً القدرة على حسن الاختيار. ولذلك أصبحت الحرية امتحاناً يومياً للوعي، لا مناسبةً للاحتفال. فكل قرار نتخذه يرسم جزءاً من شخصيتنا، وكل موقف نختاره يكشف مقدار ما نملكه من نضج داخلي. فالإنسان لا يُعرَّف بما يستطيع فعله، بل بما يختار أن يفعله حين تتعدد الطرق وتتساوى الفرص.

وفي نهاية المطاف، ليست الحرية أن نعيش بلا قيود، فذلك أمر لم تعرفه الحياة يوماً، وإنما أن نختار القيم التي تستحق أن نلتزم بها بإرادتنا. فالالتزام الذي يولد من الوعي ليس قيداً، بل تعبير راقٍ عن الحرية، لأن الإنسان لا يسمو حين يفعل ما يشاء، بل حين يصبح ما يشاءه جديراً بإنسانيته.

وأقول أنا: إن الحرية ليست أن أملك مفاتيح العالم، بل أن أملك مفاتيح نفسي. فمن انتصر على خوفه، وتحرر من أنانيته، وجعل ضميره قائداً لعقله، أدرك أن أعظم الحريات ليست تلك التي تمنحها القوانين، بل تلك التي تصنعها النفس حين تتصالح مع الحقيقة.

مدار الساعة ـ