لطالما كان وسط البلد في عمّان أكثر من مجرد سوق تجاري أو مقصد سياحي؛ فهو ذاكرة المدينة، وواجهة الأردن الأولى أمام الزائر، والمكان الذي تختصر فيه هوية الوطن وتاريخه وثقافته … فمن يتجول في شوارعه القديمة يتوقع أن يجد ما يعكس الشخصية الأردنية الأصيلة، من العلم الأردني، والشماغ الأحمر، والمجسمات التي تجسد البتراء، وجرش، ووادي رم، والقلعة، والبحر الميت، وصولاً إلى التراث البدوي والفلكلور الشعبي …
إلا أن المتجول اليوم يلحظ ظاهرة تستحق الوقوف عندها، وهي تراجع حضور الرموز الوطنية في كثير من محال الهدايا التذكارية، مقابل انتشار أعلام ورموز لدول أخرى بشكل لافت، حتى بات الزائر في بعض الأحيان يبحث بصعوبة عن تذكار يحمل الهوية الأردنية!لا يتعلق الأمر برفض عرض منتجات أو أعلام لدول شقيقة أو صديقة … فالأردن كان وسيبقى منفتحاً على الجميع، ويحتضن مختلف الثقافات. لكن الإشكالية تكمن عندما تصبح الرموز غير الأردنية أكثر حضوراً من الرموز الوطنية في قلب العاصمة، وفي أهم منطقة يقصدها السياح للتعرف على الأردن.في معظم دول العالم، تحرص الحكومات والبلديات والغرف التجارية على أن تكون المناطق التاريخية والأسواق السياحية مرآة للهوية الوطنية. ففي باريس تبرز رموز فرنسا، وفي لندن تملأ الأعلام البريطانية ومتعلقات العائلة المالكة واجهات المحال، وفي إسطنبول تتصدر الرموز التركية، وفي طوكيو تعكس المنتجات الثقافة اليابانية. فالهدف ليس إقصاء الآخر، بل تقديم صورة واضحة عن هوية البلد الذي يزوره السائح.والسائح عندما يشتري تذكاراً، فإنه يبحث عما يربطه بالمكان الذي زاره، وليس بما يستطيع شراؤه في أي مدينة أخرى. لذلك فإن تعزيز المنتجات الأردنية لا يخدم الهوية الوطنية فقط، بل يدعم الاقتصاد المحلي والحرفيين الأردنيين، ويشجع الصناعات التقليدية التي تمثل جزءاً من التراث الوطني.إن المطلوب ليس فرض قيود على التجار، وإنما إطلاق مبادرات تشجع على إبراز المنتجات الوطنية، ودعم الصناعات التراثية، وتحفيز المحال على تخصيص مساحات أكبر للأعلام الأردنية، والشماغ الأحمر، والمطرزات، والمجسمات التي تجسد المعالم الأردنية، إلى جانب وضع معايير تحفظ الطابع الوطني في الأسواق السياحية.وسط البلد ليس مجرد مكان للبيع والشراء، بل هو رسالة ثقافية وسياحية تعكس صورة الأردن أمام العالم. ومن حق كل أردني أن يرى علم بلاده ورموزه وتراثه في واجهة عاصمته، وأن يشعر الزائر منذ خطواته الأولى بأنه في الأردن، بكل ما يحمله هذا الوطن من تاريخ، وهوية، وخصوصية حضارية …وسط البلد.. حين تغيب هوية المكان عن واجهات التذكارات!
مدار الساعة ـ