مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

وَطَنُ الْأَحْرَارِ… وَحِكْمَةُ الْهَاشِمِيِّينَ فِي زَمَنِ التَّحَوُّلَاتِ الْكُبْرَى


زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار

وَطَنُ الْأَحْرَارِ… وَحِكْمَةُ الْهَاشِمِيِّينَ فِي زَمَنِ التَّحَوُّلَاتِ الْكُبْرَى

زيد أبو زيد
زيد أبو زيد
أمين سر المكتب السياسي لحزب مسار
مدار الساعة ـ
لَيْسَتِ الْأَوْطَانُ الْعَظِيمَةُ هِيَ الَّتِي تَمْلِكُ أَكْثَرَ الثَّرَوَاتِ، بَلِ الَّتِي تَمْلِكُ قِيَادَةً تُحْسِنُ قِرَاءَةَ التَّارِيخِ، وَفَهْمَ الْحَاضِرِ، وَصِنَاعَةَ الْمُسْتَقْبَلِ.

ليستِ الزعامةُ لقبًا يُكتَبُ على الأوراق، ولا منصبًا تُعلِّقه الدساتيرُ على صدور الرجال، وإنما هي قدرةٌ على أن تجعلَ الوطنَ أكبرَ من الأزمات، والإنسانَ أغلى من الحسابات، والمستقبلَ أوسعَ من ضيق اللحظة. ولعلَّ التاريخَ الإنسانيَّ كلَّه يُجمِعُ على أنَّ الدولَ التي بقيتْ لم تكنْ تلك التي امتلكتْ أكثرَ الذهبِ أو السلاح، بل تلك التي امتلكتْ قيادةً عرفتْ كيف تُحَوِّلُ التحدياتِ إلى فرصٍ، والقلقَ إلى طمأنينةٍ، والعواصفَ إلى جسورٍ تعبرُ بها الأوطانُ نحو الغد.

ومن بين أمواجِ الشرقِ الأوسط المتلاطمة، وقفَ الأردنُّ، طوالَ قرنٍ من الزمان، كالسنديانةِ الراسخةِ؛ تُصافحُ السماءَ بأغصانها، بينما تضربُ جذورُها في أعماقِ الأرض. لم يكنْ ذلك وليدَ المصادفة، ولا نتيجةَ وفرةِ الموارد، بل ثمرةَ رؤيةٍ هاشميةٍ آمنتْ بأنَّ بناءَ الإنسانِ يسبقُ بناءَ الحجر، وأنَّ الاعتدالَ ليس ضعفًا، وإنما أعلى درجاتِ القوةِ السياسيةِ والأخلاقية.

ولم تكدْ رايةُ الثورةِ العربيةِ الكبرى تُرفرفُ فوقَ أرضِ الأردنِّ مع مطلعِ عشرينياتِ القرنِ الماضي، حتى بدأتْ ملامحُ مشروعٍ عربيٍّ نهضويٍّ يتشكلُ بقيادةِ الهاشميين، مستندًا إلى قيمِ الحريةِ والكرامةِ والوحدةِ والعدالة. ومنذُ عهدِ الملكِ المؤسسِ عبدِ اللهِ الأول، مرورًا بالملكِ طلال، ثم الملكِ الباني الحسينِ بنِ طلال، وصولًا إلى جلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني ابنِ الحسين، ظلَّتِ الدولةُ الأردنيةُ تُراكمُ الإنجازَ بهدوءٍ، وتبني المؤسساتِ بثقةٍ، وتواجهُ العواصفَ بعقلانيةٍ، حتى غدتْ نموذجًا في الثباتِ والاستقرارِ وسطَ إقليمٍ لا يكادُ يعرفُ السكون.

واليوم، ونحنُ نعيشُ زمنًا تتبدلُ فيه التحالفاتُ، وتتغيَّرُ فيه موازينُ القوى، وتتسارعُ فيه الأزماتُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ، يبرزُ اسمُ الأردنِّ في المحافلِ الدوليةِ بوصفهِ دولةً تمتلكُ رؤيةً واضحةً، وقيادةً تحظى بالاحترامِ والثقة. وليس من قبيلِ المبالغةِ القولُ إنَّ كثيرًا من هذه المكانةِ ارتبطتْ بالحضورِ اللافتِ لجلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني ابنِ الحسين، الذي استطاعَ، عبرَ سنواتِ حكمهِ، أن يجعلَ من الدبلوماسيةِ الأردنيةِ مدرسةً في الحكمةِ والاتزان، وأن يُرسِّخَ صورةَ الأردنِّ شريكًا موثوقًا في صناعةِ الأمنِ والاستقرارِ الإقليميِّ والدولي.

لقد أدركَ جلالةُ الملكِ، منذُ تسلُّمهِ سلطاتِهِ الدستورية، أنَّ العالمَ لم يعدْ ينتظرُ الدولَ في مكاتبها، بل ينتظرُ منها أن تذهبَ إليه، وأن تعرضَ رؤيتها، وتبني شراكاتِها، وتفتحَ أبوابَ التعاونِ مع كبرى المؤسساتِ الاقتصاديةِ والاستثمارية. ولذلك لم تكنْ جولاتُهُ الخارجيةُ مجردَ زياراتٍ بروتوكولية، وإنما ورشاتُ عملٍ متواصلة، يحملُ فيها الأردنَّ إلى العالم، ويعودُ بالعالمِ إلى الأردن.

ولم يكنْ مشهدُ جلالةِ الملكِ، وهو ينتقلُ بينَ العواصمِ العالميةِ، ويلتقي قادةَ الدولِ، ورؤساءَ كبرياتِ الشركاتِ، وصنَّاعَ القرارِ الاقتصادي، بحثًا عن استثماراتٍ جديدةٍ، وفرصِ عملٍ لأبناءِ الوطن، وتعزيزِ مكانةِ الاقتصادِ الأردني، مشهدًا عابرًا في نشراتِ الأخبار، بل كان تعبيرًا عن فلسفةِ قيادةٍ تؤمنُ بأنَّ خدمةَ المواطنِ تبدأُ بالعملِ الميداني، وأنَّ الاقتصادَ لا يُدارُ بالشعارات، وإنما بالحركةِ، وبناءِ الثقةِ، واستقطابِ الشراكاتِ، وإقناعِ العالمِ بأنَّ الأردنَّ، رغمَ محدوديةِ موارده، يمتلكُ أغلى موردٍ على الإطلاق؛ وهو الإنسانُ الأردني، والأمنُ، والاستقرارُ، وسيادةُ القانون.

ومن هنا، لم يكنْ مستغربًا أن يحظى جلالةُ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني باحترامٍ واسعٍ في مختلفِ المحافلِ الدولية، وأن يكونَ صوتُ الأردنِّ حاضرًا في القممِ السياسيةِ، والاقتصاديةِ، والأمنيةِ، والبيئيةِ، والإنسانيةِ، بوصفهِ صوتًا يدعو إلى الحوارِ بدلَ الصدام، وإلى التنميةِ بدلَ الفوضى، وإلى القانونِ الدوليِّ بدلَ منطقِ القوة، وإلى بناءِ السلامِ العادلِ الذي يحفظُ كرامةَ الشعوبِ وحقوقَها.

ولعلَّ أعظمَ ما ميَّزَ التجربةَ الأردنيةَ في عهدِ جلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني، أنَّها لم تكتفِ بإدارةِ الدولةِ، وإنما سعتْ إلى تطويرِ مفهومِ الدولةِ ذاتِه. ومن هنا جاءتِ الأوراقُ النقاشيةُ الملكية لتُشكِّلَ محطةً مفصليةً في الفكرِ السياسيِّ الأردنيِّ المعاصر؛ إذ لم تكنْ مجردَ نصوصٍ نظرية، بل مشروعًا وطنيًّا متكاملًا، دعا إلى ترسيخِ دولةِ القانونِ والمؤسسات، وتعزيزِ المواطنةِ الفاعلة، وتوسيعِ المشاركةِ السياسية، وتمكينِ الشبابِ والمرأة، وتطويرِ الحياةِ الحزبيةِ والبرلمانية، والارتقاءِ بالإدارةِ العامة، وبناءِ اقتصادٍ أكثرَ قدرةً على الابتكارِ والإنتاجِ والمنافسة.

لقد قدَّمتْ تلك الأوراقُ رؤيةً تُخاطبُ العقلَ قبلَ العاطفة، والمستقبلَ قبلَ الحاضر، وجعلتْ من التحديثِ السياسيِّ والاقتصاديِّ والاجتماعيِّ مشروعًا مستمرًّا لا يتوقفُ عند حكومةٍ أو مجلسِ أمة، بل يمتدُّ بوصفهِ نهجًا للدولةِ الأردنيةِ في مئويتها الثانية؛ دولةً تستمدُّ قوتَها من مؤسساتِها، ومن وعيِ مواطنيها، ومن قدرتِها على التطورِ دون أن تتخلى عن ثوابتها الوطنيةِ والعربية.

ولأنَّ الأممَ لا تُقاسُ بما أنجزتهُ في حاضرها فحسب، بل بما تُعِدُّهُ لمستقبلها، فقد جاءتْ شخصيةُ سموِّ الأميرِ الحسينِ بنِ عبدِ اللهِ الثاني، وليِّ العهد، امتدادًا طبيعيًّا للمدرسةِ الهاشميةِ التي آمنتْ بأنَّ القيادةَ مسؤوليةٌ قبلَ أن تكونَ مكانةً، ورسالةٌ قبلَ أن تكونَ لقبًا. فقد استطاعَ سموُّه، بما يمتلكُهُ من حضورٍ وكاريزما، وقربٍ من الشباب، وإيمانٍ بقدراتِهم، أن يُجسِّدَ صورةَ الجيلِ الأردنيِّ الطامحِ إلى الإبداعِ والعملِ والإنجاز، وأن يكونَ حاضرًا في الميدانِ كما هو حاضرٌ في المحافلِ الدولية، يحملُ اسمَ الأردنِّ بثقةٍ، ويُقدِّمُ نموذجًا للقائدِ الشابِّ الذي يجمعُ بينَ الأصالةِ وروحِ العصر.

ولم يقتصرْ حضورُ سموِّه على الجانبِ الرسميِّ، بل امتدَّ إلى ميادينِ العملِ التطوعيِّ، وريادةِ الأعمال، والابتكار، وتمكينِ الشباب، والاهتمامِ بالمبادراتِ المجتمعية، فغدا قريبًا من نبضِ المواطنين، يُشاركُهم أفراحَهم وتحدياتِهم، ويؤمنُ بأنَّ الاستثمارَ الحقيقيَّ يبدأُ بالإنسان، وأنَّ مستقبلَ الأردنِّ يُصنعُ بعقولِ شبابِه وسواعدِهم.

كما شكَّلَ حضورهُ في المناسباتِ الرياضيةِ، وفي مقدمتها دعمُ المنتخبِ الوطنيِّ لكرةِ القدم، رسالةً وطنيةً عميقةَ الدلالة؛ فالرياضةُ ليستْ منافسةً فحسب، بل مساحةٌ تتجلَّى فيها وحدةُ الأردنيين، وتتجسدُ فيها رايةُ الوطنِ التي تلتفُّ حولَها القلوبُ قبلَ الأعلام. وكان التفافُ جلالةِ الملكِ وسموِّ وليِّ العهد حولَ «النشامى» صورةً من صورِ القيادةِ القريبةِ من شعبِها، التي تُشاركُ أبناءَها لحظاتِ الفرحِ كما تُشاركُهم مسؤوليةَ البناء.

وإذا كانتِ السياسةُ تُقاسُ أحيانًا بموازينِ المصالح، فإنَّ موقفَ الأردنِّ بقيادةِ جلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني من القضيةِ الفلسطينيةِ ظلَّ ثابتًا لا تحكمُهُ تقلباتُ المواقفِ ولا تبدلاتُ التحالفات. فمنذُ اليومِ الأول، حملَ جلالتُهُ هذه القضيةَ بوصفِها قضيةَ حقٍّ وعدالةٍ وسلام، ودافعَ عنها في جميعِ المحافلِ الدوليةِ، مؤكدًا أنَّ السلامَ الحقيقيَّ لا يقومُ إلا على إنهاءِ الاحتلال، وصونِ الحقوقِ المشروعةِ للشعبِ الفلسطيني، وإقامةِ الدولةِ الفلسطينيةِ المستقلةِ على خطوطِ الرابعِ من حزيرانَ عامَ 1967، وعاصمتُها القدسُ الشرقية، وفقَ المرجعياتِ الدولية.

ولم تقتصرِ الجهودُ الأردنيةُ على المواقفِ السياسيةِ والدبلوماسيةِ، بل امتدتْ إلى العملِ الإنسانيِّ والإغاثيِّ، وإلى مواصلةِ إرسالِ المساعداتِ الطبيةِ والإغاثيةِ، وبذلِ كلِّ ما من شأنِه التخفيفُ من معاناةِ الأشقاءِ الفلسطينيين، في ظلِّ ما شهدتْهُ غزةُ والضفةُ الغربيةُ من أوضاعٍ إنسانيةٍ بالغةِ القسوة. وفي الوقتِ ذاته، بقيَ الأردنُّ يؤكدُ رفضَهُ لكلِّ الإجراءاتِ التي تستهدفُ تغييرَ الوضعِ التاريخيِّ والقانونيِّ القائمِ في القدس، أو تمسُّ بالمقدساتِ الإسلاميةِ والمسيحية، انطلاقًا من الوصايةِ الهاشميةِ التاريخيةِ عليها، التي تمثلُ مسؤوليةً دينيةً وتاريخيةً وسياسيةً، وتُعدُّ ركيزةً في حمايةِ هويةِ المدينةِ وصونِ إرثِها الحضاري.

وفي خضمِّ التحولاتِ الكبرى التي تعصفُ بالإقليمِ والعالم، أثبتَ الأردنُّ أنَّ قوةَ الدولةِ لا تُقاسُ بعددِ سكانِها، ولا بمساحةِ أرضِها، ولا بحجمِ مواردِها الطبيعية، وإنما بصلابةِ مؤسساتِها، ووحدةِ شعبِها، وكفاءةِ جيشِها العربيِّ المصطفوي، ويقظةِ أجهزتِها الأمنية، وحكمةِ قيادتِها التي استطاعتْ أن تُجنِّبَ الوطنَ كثيرًا من العواصفِ التي عصفتْ بالمنطقة، وأن تحافظَ على أمنِه واستقرارِه، ليبقى واحةً للأمنِ والاعتدالِ في محيطٍ بالغِ الاضطراب.

لقد أدركَ الهاشميون، منذُ فجرِ الدولةِ الأردنية، أنَّ الشرعيةَ الحقيقيةَ لا تُبنى بالقوةِ وحدها، وإنما تُبنى بالإنجاز، والعدل، واحترامِ الإنسان، والوفاءِ للعهد، ولذلك ظلَّتْ العلاقةُ بينَ القيادةِ والشعبِ علاقةَ ثقةٍ متبادلةٍ، تُترجمُها المواقفُ الصعبةُ قبلَ الأيامِ الهادئة، ويؤكدُها التفافُ الأردنيينَ حولَ رايتِهم كلما اشتدتِ التحديات.

إنَّ الأردنَّ اليومَ، وهو يدخلُ مئويتَهُ الثانية، لا يحملُ معهُ إرثَ قرنٍ من البناءِ فحسب، بل يحملُ أيضًا مشروعَ دولةٍ تُؤمنُ بأنَّ المستقبلَ لا يُورثُ، بل يُصنعُ، وأنَّ الإنسانَ سيبقى أغلى ما نملك، وأنَّ الاستثمارَ في العقلِ والتعليمِ والابتكارِ هو الاستثمارُ الأبقى، وأنَّ الاعتدالَ، والحوارَ، واحترامَ القانونِ، ليستْ شعاراتٍ سياسية، بل ثقافةُ دولةٍ ونهجُ قيادة.

سيبقى الأردنُّ، بإذنِ الله، وطنَ الأحرار، وستبقى الرايةُ الهاشميةُ عنوانًا للحكمةِ والاعتدال، لأنَّها لم تُشيِّدْ دولةً على رمالِ الشعارات، بل بنتْ وطنًا على صخرةِ الشرعية، ورسالةِ الثورةِ العربيةِ الكبرى، وإرادةِ الإنسانِ الأردني. وسيظلُّ جلالةُ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني ابنُ الحسين، وسموُّ الأميرِ الحسينِ بنُ عبدِ اللهِ الثاني، يُقدِّمان للعالمِ صورةَ قيادةٍ ترى في خدمةِ الوطنِ شرفًا، وفي الدفاعِ عن قضايا الأمةِ واجبًا، وفي الإنسانِ محورَ التنمية وغايتها.

وَمَا دَامَتِ الْحِكْمَةُ تَقُودُ الْمَسِيرَةَ، وَالشَّعْبُ يَلْتَفُّ حَوْلَ رَايَتِهِ، فَسَيَبْقَى الْأُرْدُنُّ، بِإِذْنِ اللَّهِ، وَطَنًا يَكْبُرُ بِقِيَمِهِ قَبْلَ مُقَدَّرَاتِهِ، وَيُحَلِّقُ بِرِسَالَتِهِ قَبْلَ إِمْكَانَاتِهِ.

مدار الساعة ـ