مدار الساعة -لا تفقد الأمم سيادتها الحضارية بهزيمتها في معركة عسكرية أو الوقوع تحت غزو خارجي فحسب، بل قد تهزم هزيمة أشد وأعمق حين تفقد الثقة في ذاتها وفي لسانها، وتغدو عاجزة عن تصور العلم إلا بلغة غيرها، وعن تخيل المستقبل إلا بمفردات الأمم الأخرى وثقافاتها. وحينها يتحول الاستلاب اللغوي مدخلا إلى استلاب في الوعي والرؤية والتصور؛ لأن اللغة هي الإطار الذي تنتظم داخله المفاهيم والقيم وطرائق الفهم.
والتاريخ يعلمنا أن الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، لا تدوم طويلاً إذا لم تعضدها هيمنة ثقافية ومعرفية. ولذلك فإن القوى الكبرى لم تكتف دائماً بتوسيع نفوذها العسكري أو الاقتصادي، بل سعت إلى فرض نماذجها المعرفية والثقافية بوصفها النموذج الوحيد الممكن للتقدم. وعندما تقتنع النخب التابعة بأن لغة القوة هي وحدها لغة العلم والحضارة، فإن الأمة تدخل طوعاً في دائرة التبعية دون حاجة إلى قسر خارجي.وهذه هي المفارقة التي في عالمنا العربي اليوم؛ إذ لم يعد السؤال المركزي: كيف ننتج المعرفة؟ وكيف نبني جامعة فاعلة؟ وكيف نؤسس اقتصاداً معرفياً؟ وإنما أصبح السؤال: بأي لغة أجنبية نستهلك المعرفة المنتجة في الخارج؟ وكأن المشكلة تكمن في العربية ذاتها، لا في ضعف الاستثمار في البحث العلمي، ولا في هشاشة المؤسسات الأكاديمية، ولا في غياب مشروع حضاري متكامل يربط العلم بالتنمية والهوية والاستقلال.إن الأمم المتقدمة لم تتقدم لأنها غيرت لغتها، وإنما لأنها غيرت شروط إنتاج المعرفة. أما نحن فنخاطر أحيانا بتحويل النقاش من جوهر الأزمة إلى مظاهرها، فننشغل باللغة التي ندرس بها أكثر من انشغالنا بما ندرسه وكيف ننتجه ولماذا نعجز عن الإسهام فيه.العربية في الدورة الحضارية الإسلامية الأولىفلو أن المسلمين الأوائل استسلموا للمنطق الذي يروج اليوم، لقالوا إن اليونانية هي لغة الفلسفة والمنطق، وإن السريانية لغة الطب، وإن الفارسية لغة الإدارة والسياسة، وإن العربية لا تصلح إلا للشعر والخطابة والوعظ. ولو تبنوا هذا المنطق لبقيت العربية لغة محلية محدودة الوظائف، ولما أصبحت لغة المعرفة الأكثر انتشاراً في جزء كبير من العالم طيلة قرون.غير أن الذي حدث كان على النقيض تماما. فقد أدرك بناة الحضارة الإسلامية أن استيراد العلوم لا يعني استيراد الوعي، وأن الانتفاع بخبرات الأمم الأخرى لا يستلزم الذوبان فيها. ولذلك لم يرفضوا التراث اليوناني أو الفارسي أو الهندي، ولم يخضعوا له في الوقت نفسه، بل استوعبوه وأعادوا صياغته ضمن أفق حضاري جديد.ويكفي أن نتأمل تجربة بيت الحكمة في بغداد لنفهم طبيعة المشروع. فالمقصود لم يكن تعلم اليونانية حتى تصبح لغة التعليم العليا في الدولة، وإنما نقل علوم اليونان إلى العربية، بحيث تصبح المعرفة جزءا من الدورة الثقافية للأمة. وكان المترجمون الكبار يعملون على نقل النصوص العلمية إلى العربية ليس لإحلال الثقافة الأجنبية محل الثقافة الإسلامية، بل لتمكين العقل المسلم من امتلاك تلك العلوم وإعادة توظيفها.ولذلك لم تقف الحضارة الإسلامية عند حدود الترجمة. فلو كان الأمر مجرد نقل حرفي لما ظهر الخوارزمي في الرياضيات، ولما برز ابن الهيثم في البصريات، ولا الرازي في الطب، ولا البيروني في الجغرافيا والفلك، ولا ابن رشد في الفلسفة. فهؤلاء لم يكونوا شارحين للتراث السابق فقط، بل كانوا منتجين لمعرفة جديدة بلغة عربية أصبحت أداة للابتكار والابداع وصناعة الحياة والتأثير في بقية الأمم.ومن هنا تحولت العربية إلى لغة مؤسسة للعلوم. وأصبح العلماء المسلمون من مختلف العراق والاجناس والمناطق يكتبون بها لأنها لغة المجال العلمي المشترك، تماماً كما يكتب كثير من العلماء اليوم بالإنجليزية. فقد كان التميز والابداع قائما على الانتماء إلى فضاء حضاري جعل العربية لغة العلم والإدارة والقضاء والتعليم.الترجمة وليس الاستبدال اللغويومن أكبر الأوهام التي تتكرر في الخطاب المعاصر والسياسات اللغوية المعاصرة في بلداننا أن النهضة تمر حتما عبر استبدال لغة التعليم والإدارة بلغة القوى المتفوقة عالميا. غير أن مراجعة التجارب التاريخية الناجحة تكشف عكس ذلك تماماً.فاليابان في عصر "الميجي" لم تحول الإنجليزية إلى لغة وطنية رغم انفتاحها الواسع على الغرب. بل أسست مؤسسات ضخمة للترجمة، ونقلت آلاف الكتب والبحوث إلى اليابانية، وأنتجت جهازا اصطلاحيا قادرا على استيعاب المفاهيم الحديثة. ولذلك استطاع الياباني أن يتعلم أحدث العلوم بلغته دون أن ينفصل عن محيطه الثقافي.والأمر نفسه يصدق على الصين. فالصيني يدخل المدرسة والجامعة ويتلقى الجزء الأكبر من معارفه بالصينية، مع تعلم الإنجليزية بوصفها لغة تواصل علمي دولي. ولم تقل الصين إن نهضتها تمر عبر إحلال الإنجليزية محل لغتها القومية، بل جعلت لغتها وعاءً للتحديث.وكذلك فعلت كوريا الجنوبية وألمانيا وفرنسا وروسيا. فهي دول تتقن اللغات الأجنبية وتستفيد منها، لكنها لا تتخلى عن لغتها الوطنية في الوظائف الحضارية الأساسية.إن الفرق بين الترجمة والاستبدال اللغوي فرق جوهري. فالترجمة تنقل المعرفة إلى الداخل وتزيد من قوة اللغة الوطنية. أما الاستبدال فينقل المتعلم نفسه إلى الداخل الثقافي للغة الأجنبية، فينشأ انقسام بين لغة الحياة اليومية ولغة العلم والإدارة والنخبة.ولهذا فإن الأمم الصاعدة تعاملت مع اللغات الأجنبية باعتبارها نوافذ على العالم، بينما تعاملت بعض مجتمعاتنا معها كونها بديلا عن الذات. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الترجمة تبني استقلالا معرفيا، أما الاستبدال اللغوي فيخاطر بإعادة إنتاج التبعية في صورة جديدة.أزمة العربية أم أزمة المشروع الحضاري؟إن تحميل العربية مسؤولية التخلف يشبه تحميل الورق مسؤولية ضعف الكتابة. فاللغة أداة، وقيمة الأداة ترتبط بالوظائف التي تمارسها داخل المجتمع. فالعربية التي استوعبت علوم الفقه والتفسير والكلام والفلسفة والطب والفلك والكيمياء عبر قرون طويلة لا يمكن وصفها بالعجز الذاتي عن استيعاب العلوم الحديثة. ولو كانت اللغة وحدها هي المحدد للتقدم لما استطاعت لغات صغيرة نسبيا مثل الفنلندية أو الكورية أو العبرية أن تصبح لغات تعليم وبحث حديثة.إن السؤال الحقيقي يتعلق بالمؤسسات لا باللغة. فكم يبلغ الإنفاق العربي على البحث العلمي؟ وكم عدد مراكز الترجمة الفاعلة؟ وكم كتابا علميا يُترجم سنويا؟ وكم جامعة عربية تدخل المنافسة العالمية في إنتاج المعرفة لا استهلاكها؟فاللغة تنمو حين توجد دولة تستثمر فيها وجامعات تنتج بها ومؤسسات تشتغل على تطويرها. والعكس صحيح أيضاً؛ إذ تضعف اللغة عندما تستبعد من مجالاتها الحيوية، حتى وإن كانت تملك تراثا هائلا وإمكانات تعبيرية واسعة.ولهذا فإن القضية ليست قضية قدرة العربية على استيعاب العلوم، بل قضية غياب مشروع حضاري متكامل يجعل من العلم أولوية وطنية. فعندما تتوافر الإرادة السياسية والاستثمار العلمي والبنية المؤسسية، تصبح التحديات اللغوية قابلة للحل كما حدث في تجارب أمم كثيرة.ومن الخطأ أيضا أن نفرض تعارضا مصطنعا بين العربية والانفتاح على العالم؛ فالمسألة ليست اختيارا بين العربية والإنجليزية او الفرنسية، بل كيفية جعل العربية لغة للإنتاج الداخلي مع تمكين الأجيال من اكتساب اللغات الأجنبية بوصفها أدوات للاتصال العلمي الدولي.من تبعية إلى أخرىوالمؤسف أن بعض النقاشات الدائرة اليوم لا تبحث في كيفية إصلاح المدرسة والجامعة، ولا في تطوير المناهج، ولا في بناء اقتصاد المعرفة، ولا في تشجيع الابتكار، بل تختزل الأزمة كلها في لغة التدريس. وهكذا نجد أنفسنا ننتقل من الدعوة إلى الفرنسية بالأمس إلى الدعوة إلى الإنجليزية اليوم، وكأن المشكلة تكمن دائما في اللغة المختارة لا في البنية المنتجة للمعرفة. وبذلك يتحول النقاش إلى انتقال من تبعية إلى تبعية أخرى دون معالجة الجذر الحقيقي للمسألة.ولو تأملنا واقع الجامعات العربية التي تعتمد لغات أجنبية في كثير من التخصصات لوجدنا أن ذلك لم يؤد تلقائياً إلى تحولها إلى مراكز عالمية للابتكار أو البحث المتقدم. فاللغة الأجنبية قد تسهل الوصول إلى المعرفة العالمية، لكنها لا تنشئ منظومة بحثية، ولا تعوض ضعف التمويل العلمي، ولا تنتج ثقافة مؤسسية تقوم على الإبداع.إن التاريخ يعلمنا أن القوة هي التي ترفع مكانة اللغة، لا أن اللغة وحدها تخلق القوة. فاللاتينية كانت لغة العلم في أوروبا عندما كانت أوروبا تدور في فلكها الحضاري، ثم فقدت موقعها لصالح اللغات الوطنية الأوروبية حين انتقلت مراكز القوة والإبداع إليها. والفرنسية كانت لقرون لغة الدبلوماسية العالمية، لكنها تراجعت أمام الإنجليزية مع صعود القوى الأنجلوساكسونية.ومن ثم فإن الارتحال الدائم من لغة أجنبية إلى أخرى لا يحل المشكلة، بل قد يعمقها إذا غابت الرؤية الحضارية الشاملة. فالمطلوب ليس استبدال تبعية بتبعية أخرى، بل بناء قدرة ذاتية تجعل الأمة قادرة على التفاعل مع جميع اللغات من موقع الفاعل الذي له لغته المركزية، لا المفعول به.النهضة تبدأ من استعادة الثقة بالذاتإن الدعوة إلى تمكين العربية ليست دعوة إلى الانغلاق، ولا إعلان خصومة مع الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما من لغات العالم. بل هي دعوة إلى تصحيح موقع اللغة الوطنية داخل المشروع الحضاري للأمة.فالأمة الواثقة بنفسها تتعلم لغات العالم، وتشجع أبناءها على إتقانها، وتستفيد من أحدث ما ينتج فيها، لكنها تجعل مركز الثقل المعرفي داخل فضائها اللغوي الخاص. وهكذا تفكر بلغتها، وتخاطب مجتمعها بلغتها، وتبني مؤسساتها بلغتها، ثم تنفتح على العالم من موقع الندية والتبادل.فاللغة هي وعاء الذاكرة التاريخية، والمخزون الثقافي، ومنطق التفكير، والحقل الذي تتشكل داخله التصورات والقيم والمعاني. وعندما تتسع المسافة بين لغة المجتمع ولغة المعرفة، ينشأ شرخ ثقافي يعوق الانتقال الطبيعي للعلم إلى المجال العام.ولهذا فإن معركة اللغة ليست معركة نحوية ولا قضية عاطفية أو هوياتية ضيقة، بل هي في جوهرها معركة سيادة معرفية واستقلال حضاري. فالنهضة لا تبدأ باستبدال لسان بلسان، وإنما تبدأ باستعادة الثقة بالذات، وبناء المؤسسات العلمية القادرة على إنتاج المعرفة، وإقامة صناعة وطنية للترجمة، وربط التعليم بالبحث والاقتصاد والتنمية.وعندما يحدث ذلك تصبح العربية، ومعها اللغات الأجنبية التي نتقنها، عناصر قوة متكاملة داخل مشروع حضاري واحد. أما إذا بقينا نبحث عن الخلاص في الانتقال من لغة أجنبية إلى لغة أجنبية أخرى، فإننا سنظل ندور في الحلقة نفسها، ونستبدل شكلا من أشكال التبعية بشكل آخر، بينما تبقى أزمة النهضة الحقيقية دون حل.أزمة لغة أم أزمة أسرية وثقافية؟.. حقائق وأوهام استبدال العربية باللغات الأجنبية
مدار الساعة ـ











