مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بين النقد المسؤول والتضليل.. من يخدم الوطن؟


المحامي صالح الجريري

بين النقد المسؤول والتضليل.. من يخدم الوطن؟

مدار الساعة ـ

ما الذي يدفع قلةً قليلة إلى انتهاج خطاب يقوم على التحريف والتضليل والإرهاب الفكري، عبر صناعة استنتاجات مسبقة هدفها إحباط المواطن، وتقويض الثقة بمؤسسات الدولة، وصرف الأنظار عن الحقائق والإنجازات؟ ولماذا يُستبدل النقاش الموضوعي بالشخصنة، ويُستعاض عن النقد المسؤول بخطاب سوداوي لا يرى إلا الإخفاق، متجاهلًا ما تحقق من تقدم رغم التحديات الاقتصادية والسياسية والإقليمية؟

إن تعمد اجتزاء الحقائق، وتقديم الأخبار بصورة مغايرة لواقعها، وفبركة الروايات لإقناع الرأي العام بأن الدولة عاجزة عن الإنجاز، ليس نقدًا، بل ممارسة تُسهم في تضليل المجتمع وإرباك وعيه. فالنقد الحقيقي يصحح المسار ويقوّم الأداء، أما التضليل فلا ينتج إلا الشك والإحباط، ويخدم أصحاب الأجندات الشخصية أكثر مما يخدم الوطن.

لقد استطاعت الدولة، رغم الظروف المعقدة التي تعيشها المنطقة، تجاوز الكثير من العقبات، والحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي والاجتماعي، والمضي في تنفيذ المشاريع التنموية والإصلاحية. وهذه حقائق لا يجوز طمسها أو التقليل من شأنها لمجرد اختلاف سياسي أو رغبة في تسجيل المواقف.

والتعصب الفكري يظل من أخطر الأمراض التي تصيب المجتمعات؛ لأنه يغلق أبواب الحوار، ويصادر حق الآخرين في الاختلاف، ويحول الرأي إلى حقيقة مطلقة. فالمجتمعات لا تتقدم إلا بتعدد الآراء، واحترام الرأي الآخر، والنقد المبني على المعرفة والموضوعية، لا على الانفعال أو المصلحة الضيقة. كما أن وسائل الإعلام ومنصات التواصل غير المسؤولة أصبحت، في كثير من الأحيان، أدوات لتأجيج الانقسام وتوسيع فجوة الثقة، وهو ما ينعكس سلبًا على تماسك المجتمع واستقراره.

ولعل أخطر ما نشهده اليوم هو الشخصنة والإساءة إلى رموز ومؤسسات الدولة، والتشكيك في وطنية المسؤولين وانتمائهم، وكأن الاختلاف في الرأي يبرر الطعن في النوايا. وهذا نهج لا ينسجم مع أخلاقيات العمل العام، ولا مع قيم الدولة الأردنية التي قامت على احترام المؤسسات وتكامل الأدوار. فمن حق الجميع تقييم الأداء ومحاسبة المسؤول، لكن ليس من حق أحد أن يصادر الوطنية أو يوزع صكوك الولاء والانتماء.

إن الأردن اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب وطني متزن، يوازن بين الإشادة بالإنجاز والاعتراف بالتحديات، ويقدم النقد المسؤول بوصفه وسيلة للإصلاح لا أداة للهدم. فالإنصاف يقتضي أن نقيس الإنجازات بميزان الواقع، وأن ننظر إلى ما يدور حولنا في الإقليم المضطرب، وأن ندرك أن الحفاظ على الاستقرار بحد ذاته إنجاز يستحق التقدير.

فلنبتعد عن خطاب التشكيك، وإثارة النعرات، وتشتيت وعي الأردنيين، ولنجعل من الكلمة مسؤولية وطنية، ومن النقد شريكًا في البناء، لا معولًا للهدم. فالوطن لا ينهض بالتجريح، وإنما ينهض بالعقول التي تنقد بصدق، وتقترح بإخلاص، وتختلف باحترام، وتضع مصلحة الأردن فوق كل اعتبار.

مدار الساعة ـ