مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

جدلية العفو العام في الأردن: متى تلتقي الرحمة بالعدالة دون أن يُهدر الحق؟


الدكتورة هبه حدادين

جدلية العفو العام في الأردن: متى تلتقي الرحمة بالعدالة دون أن يُهدر الحق؟

مدار الساعة ـ

كلما اقتربت منا مناسبة وطنية، أو اشتدت أوار التحديات الاقتصادية، يطلّ من جديد سؤال يشق جدار الصمت المجتمعي: "هل حان وقت إصدار عفو عام؟".

كمواطنة تراقب المشهد القانوني والاجتماعي الأردني، أرى أن هذا السؤال يتجاوز كونه مجرد تدوير قانوني روتيني. إنه مرآة تعكس رؤيتنا للدولة؛ هل نؤمن بدولة المؤسسات والقانون التي لا تنحني إلا للعدل، أم نتعامل مع الأزمات بردود فعل آنية؟ الجدلية الدائرة بين مؤيد يرى في العفو "رحمة متأخرة" ومعارض يعتبره "تهريباً للعدالة"، هي في جوهرها بحث عن توازن مفقود. وبعيداً عن الشعارات العاطفية أو المزايدات، يجب أن نناقش هذا الملف من باب واحد فقط: تكافؤ الفرص وسيادة القانون.

دستورياً، المادة (38) تمنح جلالة الملك حق إصدار العفو العام، وهو أداة سيادية شرعها الدستور لطي صفحات مرحلية أو تصفية حسابات سياسية واجتماعية معقدة. لكن المشكلة تكمن في كيفية تفسير وتطبيق هذا العفو على أرض الواقع. العفو العام يسقط الجريمة ويمحو آثارها. وعندما يُترك هذا الباب مفتوحاً دون ضوابط دقيقة، فإننا لا نمنح فرصة ثانية فحسب، بل قد نمنح "فرصة جديدة لارتكاب الجريمة" على حساب أمن المواطن وحق الضحية. بناء دولة حديثة يتطلب أن يكون القانون واضحاً، وأن يدرك المواطن البسيط أن هناك ثمناً لكل خطأ، وأن العفو هو "استثناء" يُمنح لمن يستحقه، وليس "قاعدة" تُهدر معها أحكام القضاء.

لا يمكننا الحديث عن العفو دون لمس الواقع المرير في أروقة المحاكم والسجون. نحن أمام أزمة اقتصادية طاحنة، وفي السجون شباب أردنيون وقعوا في فخ "الشيكات دون رصيد" أو قضايا مالية بسيطة. هنا، تتجلى عدالة تكافؤ الفرص؛ هل من المنطقي أن نُدمّر مستقبل شاب وأسرته بأكملها بسبب التزام مالي عجز عن الوفاء به في ظل ظروف اقتصادية قاهرة؟ إطلاق سراح هذا الشباب وتيسير شؤونهم المالية هو استثمار حقيقي في المجتمع، وتخفيف حقيقي عن مؤسساتنا الإصلاحية المُجهَدة. هؤلاء لا يشكلون خطراً أمنياً، بل هم ضحايا ظرف ربما كان يمكن تجنبه لو كانت هناك شبكات حماية اجتماعية أقوى.

في المقابل، إن تساوى الشاب الذي لم يوفِ بالتزامه المالي، مع مجرم اعتدى على حُرمة الأعراض، أو تاجر مخدرات أهلك النسل وفسد شباباً بأكملهم، أو "فاسد مدّ يده على المال العام"، فهنا تكون الطامة الكبرى. كيف نقنع مواطناً بأن "الدولة ظهره وسنده"، وهو يرى شخصاً اعتدى على عِرض ابنته أو سرق تعب عمره وشقاه طوال سنوات، يخرج من السجن بجرة قلم بحجة "العفو العام"؟ هذا الشعور بالحُرقة والقهر هو الذي يدفع الناس نحو "أخذ الحق باليد" واللجوء للثأر العشائري، لأن المواطن عندما يشعر أن القانون "ما جاب له حقه"، سيضطر للبحث عن حقه بطريقته. الرحمة الحقيقية هي أن نحمي المجتمع من المتربصين بأمنه، لا أن نطلق سراحهم لنكتوي بنارهم مجدداً. إن غياب الردع العام في قضايا خطيرة يرسل رسالة كارثية مفادها: "اسرح ومرح، فالعفو قادم لا محالة".

أنا لست ضد العفو العام، بل أنا مع "عفو مدروس وعادل". العدالة لا تتعارض مع الرحمة، بل الرحمة جزء من العدالة إذا وُضعت في مكانها الصحيح. إن العفو المطلوب اليوم في الأردن يجب أن يكون جراحياً ودقيقاً، بحيث يستهدف قضايا الحق الخاص التي تمت فيها التسويات، وقضايا الشيكات بشروط تحفظ حق الدائن، والجنح البسيطة التي لا تمس أمن المجتمع، بينما يجب أن تبقى قضايا القتل، والاعتداءات الجنسية، والمخدرات، والفساد المالي، خطاً أحمر لا يقبل المساومة أو التنازل، لأن في ذلك حماية لحقوق أضعفنا وضماناً لهيبة دولتنا. فالطريق السليم يبدأ من إدراك أن العفو ليس منحة تُهدى، بل هو أمانة تُستثمر لبناء مجتمع أكثر أماناً وعدلاً، ولن يلتقي العدل مع الرحمة إلا عندما نشعر جميعاً، كضحايا ومجتمع ودولة، بأن هذا العفو جاء ليعالج جراحاً ولم يزدها نزفاً.

مدار الساعة ـ