يعين الأردن سفيرا جديدا لدى إسرائيل، بدلا من السفير السابق الغائب منذ عامين والذي أحيل إلى التقاعد مؤخرا، لكنه لا يرسل السفير الجديد، مثلما أن هناك سفيرا إسرائيليا لدى الأردن غير متواجد في الأردن، في الوقت الذي لا يبدو فيه أن أحد السفيرين سيذهب لعمله.
هناك مهددات إسرائيلية متواصلة للأردن، إذ على الرغم من وجود تنسيق فني ولوجستي، فإن المستوى السياسي للعلاقات في أسوأ حالاته، وتل أبيب تواصل الضغط على الأردن؛ تارة بالمياه، وأحيانا بالغاز، وتارة بحركة الجسور، ومرات بتلغيم الحدود بين الأردن وفلسطين وبناء جدر عازلة، وأحيانا بتعزيز التواجد العسكري الإسرائيلي قرب الأردن، وتارة بالاشتراط السري على الأردن حول قضايا كثيرة، دون مجاهرة سياسية علنية.يأتي كل ما سبق مع مهددات خاصرة الأردن الغربية التي تعد في أسوأ حالاتها، وقد كتبت قبل يومين مقالا هنا في الغد بعنوان "انهيار في الضفة الغربية"، يشير إلى شبه انهيار كامل في حياة الفلسطينيين داخل الضفة الغربية، وكان ذلك المقال قبل اقتحامات المسجد الأقصى الأخيرة التي تعد الأكبر من نوعها بزعامة وزير إسرائيلي، دون مراعاة لوصاية الأردن، وأيضا قبل حادثة قرية تل في نابلس التي أدت إلى توحش إسرائيلي كامل في الضفة الغربية، وهو توحش سوف يرتفع سقفه خلال الفترة المقبلة وقد يدفع الخطر نحو الشرق.هذه ليست مبالغات إعلامية، ونائب رئيس الوزراء في الأردن، وزير الخارجية أيمن الصفدي، يخرج ليقول عبر منصة إكس، إن الحكومة الإسرائيلية تدفع الضفة الغربية نحو الانفجار، مؤكداً أن انتهاكاتها الصارخة للوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات بمدينة القدس تعد إجراءات غير قانونية واستفزازات خطيرة، وإن هذه الانتهاكات تدفع المنطقة نحو صراع كارثي آخر ستكون تداعياته أوسع من الأراضي الفلسطينية المحتلة.من ناحية إستراتيجية، يعبر الأردن الظرف الأكثر حساسية؛ إذ إنه محاط بالأزمات من كل الجهات، غربا في فلسطين، وشمالا في سورية، وحيث جنوبه وأزماته واحتمالات التدخل في لبنان، وشرقا جبهة العراق وقربها من إيران، وما يتعلق بأمن الخليج العربي ودوله، والأخطار على الملاحة والطاقة والنفط والصادرات والواردات، وحركة السفن، وما يرتبط بوضع الموانئ، وتأثر السلع، وكأننا وسط إقليم تتداعى أركانه من حولنا ونحن نعيش وسطه، وما يرتبط باحتمال انفجار حرب إقليمية لوّاحة للبشر، لا تستثني أحدا، ولا تبقي ولا تذر.هذه فترة حساسة جدا، لكن الأخطر فيها استغلال إسرائيل لكل الوضع الإقليمي من أجل معالجة ملف المسجد الأقصى والضفة الغربية بطريقة غير متوقعة، من حيث الاستفراد بهما، وتنفيذ مخططات قد تؤدي إلى التهجير الإجباري، وقد دعا مستوطنون إسرائيليون إلى طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية، بما يؤكد أن تصدير ملف الضفة الغربية إلى الأردن لن يتأخر من خلال صناعة أزمات متتالية وتحميل كلفها على كتفي الأردن في هذا التوقيت.هذا يدفعنا للسؤال حول الذي سنفعله خلال الفترة المقبلة، وما هي خطتنا للتعامل مع هكذا ظرف، الذي قيل عنه قبل فترة إنه سيكون بمثابة إعلان حرب، وهذا تعبير لم يكن دعائيا بقدر كونه توصيفا للحالة فيما إذا اندفعت إسرائيل أكثر في مخططها، ولحظتها سيكون الأردن أمام خيارين صعبين؛ المجابهة الفعلية على الأرض بكل كلفها، فيما عدم المجابهة مكلف أكثر، ولا ضمانة لنا سوى الداخل الأردني، فيما المراهنة على ضمانات واشنطن غائبة.إسرائيل تريد هدم كل الإقليم من أجل تمرير مخططها في القدس والضفة الغربية، والخطر على الأردن ليس منخفضا، بل يرتفع يوما بعد يوم، فيما الجانب الفلسطيني الرسمي والشعبي والفصائلي عليه واجب أساسي أيضا في المواجهة التي تستهدفه أولا، وتسهدف الأردن ثانيا.الأردن بين كلفتين في ملف الضفة
مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ