انا مع المذكرة النيابية التي تبنها النائب فراس قبلان ومعه عدد من النواب، والتي تطالب الحكومة بوضع مدونة تنظم الذوق العام، وتضع مواصفات لبعض المظاهر في الأماكن العامة ومنها لبس الشورت، لأنني من المؤمنين بأن اللباس ليس قضية حرية شخصية، فلو كان الأمر كذلك لما وضعت الكتب السماوية مواصفات لملابس المؤمنين بهذة الكتب ، ولما فعل ذلك الانبياء والمرسلين ايضا.
بالإضافة إلى التعاليم الدينية،التي تضع مواصفات لملابس اتباعها فان الكثير من النشاطات الدنيوية تتدخل في شكل ولون اللباس الذي يجب ان يرتديه من سيشارك في هذه النشاطات، فشكل ومواصفات اللباس جزء اساسيا وملزما في الكثير من النشاطات والاحتفالات والمقابلات الرسمية، مما يخرج الملابس ومواصفاتها من حيز الحرية الشخصية،الى حيز التقاليد الملزمة. غير النشاطات الرسمية التي تلزم بمواصفات محددة للملابس، فان الكثير من المؤسسات تلزم المنخرطين بها بمواصفات والوان محددة للعاملين فيها، وفي مقدمة هذه المؤسسات الجيوش، وكذلك تفعل الفرق الرياضية فلا يستطيع لاعب في فريق معين ان يلبس على هواه وهو يلعب مع فريقه، وكذلك تفعل الكثير من المؤسسات كالبنوك والشركات، فاللباس هو هوية مميزة لمرتديه، ويمكن تميز الهوية الوطنية للشخص من ملابسه، فالدشداش مرتبط بهوية اخوتنا بالخليج العربي، والشماغ الأحمر جزء من الهوية الوطنية الاردنية، ومن يقرا تاريخ الثورات الفلسطينية، يعرف ان اللباس كان جزء من هوية هذه الثورات، وانه في ثورة1936وهي الثورة الفلسطينية الكبرى، كان اللباس علامة فارقة بين من شارك فيها وبين من لم يشارك، فقد ميزت تلك الثورة بين الكوفية وبين الطربوش. نعود الى قضية الحرية الشخصية التي تذرع بها بعض الذين يحتجون على مذكرة النواب، فنقول انه ليس هناك حرية شخصية مطلقة، فهناك القاعدة الشهيرة التي تقول (تنتهي حريتك عندما تبدا حرية الآخرين) ،ثم من قال ان التدخين حرية شخصية، ومن قال ان الخروج الى الشارع بدون ملابس مثلا حرية شخصية؟ ومن قال ايضا ان ترويج المخدرات اوتعاطيها حرية شخصية، ولماذا تجرم القو انين الانتحار، مع ان من يحاول الانتحار لا يعتدي على حياة غيره؟. خلاصة القول انه ليس هناك حرية شخصية مطلقة.وان حرية الشخص مقيدة بمنظومة القيم التي تحكم مجتمعه. وهي قيم تدين الذين انتقدوا المذكرة، واتهموا النواب الذين يقفون خلفها بانهم يبحثون عن شعبية، وهذا اعتراف ضمني من هؤلأ المنتقدين بان غالبية شعبنا مع الاحتشام، وبالتالي مع ماورد في المذكرة النيابية. وهو امر طبيعي فنحن في النهاية بلد مسلم تحكمه منظومة قيم. مهما ظهر للبعض غير ذلك. ومثلما ان الحرية الشخصية محكومة بقيم المجتمع، فان المجتمع بدوره محكومة بمنظومة التشريعات والقوانين التي تنظم العلاقات بين افراده ومكوناته، وبدون هذه القوانين يتحول المجتمع الى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، لذلك هناك وصاية للقوانين والسلطات التي تضع هذه القوانين وتنفذها على المجتمع، وهذه الوصاية من علامات استقرار المجتمع، لذلك يطالب الجميع بدولة القانون، علما بان العرف من مصادر التشريع. اما اولئك الذين عابوا على النواب الذين يتبنون المذكرة انهم قدموا مضامينها، على قضايا اخرى كالفقر والبطالة، فان هؤلأ تناسوا فقه النهوص والتقدم للحضارات والدول والمجتمعات ، وان المنظومة الاخلاقية هي اول اساس من أسس هذه النهضة وهذا التقدم، وان معظم الحضارات والامبرطوريات والدول والمجتمعات، سقطت عندما انحلت اخلاقيا، وساد فيها العري، فالانحلال الأخلاقي لا يسأل عن الفقير عمل او اكل.