مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

'اللباس' وترتيب الأولويات..


جوان الكردي

'اللباس' وترتيب الأولويات..

مدار الساعة ـ

"الشورت" تحت القبة في الأيام الأخيرة.. انشغل الشارع الأردني – ومعه مواقع التواصل الاجتماعي – بنقاش بدا للكثيرين صادما في توقيته ومضمونه: "لبس الشورت".

فجأة، تحول هذا التفصيل البسيط في حياة الناس إلى قضية رأي عام، ومادة للجدل، بل وموضوع يستدعي طرحه تحت قبة البرلمان ومخاطبة الحكومة بشأنه.

قد يظن بعض الناس أن الحديث مبالغ فيه، أو أنه مجرد جدل عابر، لكن التفاعل الواسع الذي شهده هذا الموضوع يكشف عن شيء أعمق بكثير من مجرد قطعة ملابس. إنه يعكس حالة احتقان، وشعورا متراكما لدى المواطن بأن أولوياته الحقيقية لا تجد طريقها الكافي إلى النقاش العام، بينما تتقدم قضايا هامشية لتحتل الواجهة.

المفارقة التي لم تغب عن الناس، ولم تمر مرور الكرام، أن هذا الجدل يأتي في وقت يواجه فيه المواطن تحديات يومية ثقيلة: ارتفاع مستمر في الأسعار، فرص عمل محدودة، ضغوط معيشية لا تخفّ، تآكل الرواتب والمداخيل، وقطاعات خدمية تحتاج إلى مراجعة جادة، وقضية الضمان الجدلية.. وملفات الفساد وتباطؤ الإصلاح، إن لم نقل تراجعه..

وكذلك الأزمة الراهنة المتصاعدة بين إيران من جهة وإسرائيل وأميركا من جهة أخرى وتداعياتها علينا، وحرب الإبادة المستمرة في غزة ومخططات التهجير والتطهير العرقي فيها وفي الضفة الغربية، والتوجيهي على مدار السنتين المرهق للطلاب والاهل، ووو . وسط كل ذلك، يجد المواطن نفسه أمام نقاش رسمي حول "ما يجب أن يرتديه".

لا أحد ينكر أن لكل مجتمع خصوصيته، وأن الذوق العام ليس أمرا ثانويا، بل جزء من منظومة القيم والسلوك. لكن الفارق كبير بين تعزيز هذه القيم عبر الوعي المجتمعي، وبين تحويلها إلى قضية رسمية تتقدم على ملفات أكثر إلحاحا.

فالمجتمعات لا تُبنى بالرقابة على المظاهر، بقدر ما تبنى بترسيخ العدالة، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز شعور المواطن بالكرامة والأمان.

الجدل حول "الشورت" لم يكن في جوهره دفاعا عن لباس بقدر ما كان دفاعا عن مساحة شخصية، وعن حق الناس في ألا يُختزلوا في مظاهرهم. كثيرون رأوا في الطرح نوعا من الوصاية غير المبررة، وكأن المواطن بحاجة إلى من يرشده يوميا في تفاصيل حياته، بدلا من أن يجد من يدافع عنه في قضاياه الكبرى.

الأخطر من ذلك، أن مثل هذه النقاشات قد تخلق فجوة إضافية بين الناس ومؤسساتهم، حين يشعر المواطن أن صوته لا يُلتقط في القضايا التي تمس حياته مباشرة، بينما يتم تضخيم قضايا لا تشكل أولوية لديه. وهنا، لا يكون الخلل في الموضوع نفسه بقدر ما يكون في ترتيب الاهتمامات.

المسألة ليست "شورت"، بل سؤال أوسع: ماذا نريد أن نناقش؟ وما الذي يستحق أن يكون في صدارة الاهتمام؟ هل نريد برلمانا يلاحق التفاصيل الشخصية، أم مؤسسةً رقابية وتشريعية تقف في وجه التحديات الكبرى وتبحث عن حلول حقيقية؟

في المحصلة، لم يكن استهجان الناس لهذا الطرح رفضاً للقيم، ولا تمرداً على المجتمع، بل كان رسالة واضحة: الأولويات يجب أن تُعاد قراءتها؛ فكرامة المواطن، وقدرته على العيش بحد أدنى من الاستقرار، هي القاعدة التي تبنى عليها كل القيم الأخرى.

أما الملابس، فتبقى تفصيلا.. مهما حاول بعض الناس أن يجعل منها أولوية تتصدر الأولويات الأهم.

مدار الساعة ـ