مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

أزمة الوطن ليست في اللباس


المحامي هيثم عريفج

أزمة الوطن ليست في اللباس

مدار الساعة ـ

أصوات بدأت تتعالى تحت قبة مجلس النواب وفي بعض وسائل الإعلام، مطالبة بمنع أنواع معينة من اللباس في الأماكن العامة، سواء تعلق الأمر بارتداء «الشورت» أو بغيره من الملابس التي قد لا تنسجم مع الأذواق أو القناعات الشخصية لبعض الناس.

من حق أي إنسان أن تكون له قناعاته الدينية والاجتماعية، وأن يختار لنفسه ولأسرته نمط الحياة واللباس الذي يراه مناسبًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القناعة الشخصية إلى مطالبة بتشريع ملزم، وحين يسعى البعض إلى فرض ذوقه الخاص على المجتمع كله بقوة القانون.

السؤال الذي يجب طرحه بوضوح: إلى أين يراد أن تصل هذه المطالبات؟

هل المطلوب تشكيل «هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»؟ وهل يراد إنشاء فرق من «المطوعين» تجوب الشوارع والأسواق والأماكن السياحية لمراقبة ملابس الناس، وتحديد ما هو مقبول وما هو مرفوض؟

من الذي سيضع هذه المعايير أصلًا؟ وما هو طول «الشورت» المسموح به؟ وهل تختلف القواعد بين الرجال والنساء؟ وهل تخضع ملابس السياح للمعايير ذاتها؟ ومن سيتولى القياس والتقدير والمحاسبة؟

هذه الأسئلة قد تبدو ساخرة، لكنها تكشف خطورة الانزلاق نحو تشريعات مبهمة تفتح الباب أمام الوصاية والتعسف والتدخل في الحياة الخاصة للناس.

الدولة الحديثة لا تدير ملابس المواطنين، ولا تقيس أخلاقهم بأطوال الأقمشة، ولا تحول رجال الأمن والموظفين العامين إلى مراقبين للأزياء. الدولة الحديثة تحمي الحقوق والحريات، وتطبق القانون على الأفعال التي تشكل اعتداءً حقيقيًا على المجتمع أو على حقوق الآخرين.

الدستور الأردني واضح حين قرر أن الحرية الشخصية مصونة، وأن الاعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة جريمة يعاقب عليها القانون. كما أن قانون العقوبات يتضمن أصلًا نصوصًا تعالج الأفعال والإشارات المنافية للحياء التي تقع في الأماكن العامة. ومن ثم، فإن المنظومة القانونية تملك الأدوات اللازمة للتعامل مع أي سلوك يشكل فعلًا حقيقيًا مخلًا بالحياء أو اعتداءً على الآخرين، دون الحاجة إلى اختراع جرائم جديدة تتعلق بنوع اللباس أو شكله.

هناك فارق جوهري يجب عدم تجاهله بين اللباس الذي لا يعجب بعض الناس، وبين الفعل المنافي للحياء الذي يجرمه القانون. عدم إعجاب شخص بملابس شخص آخر لا يجعل منها جريمة، كما أن المحافظة الاجتماعية لا تمنح أي فرد أو جهة حق فرض الوصاية على خيارات الآخرين.

الحرية بالتأكيد ليست مطلقة، و تقف عند حدود القانون وحقوق الآخرين والنظام العام. لكن القيود على الحرية لا يجوز أن تبنى على الأهواء والانطباعات الشخصية، بل يجب أن تكون واضحة وضرورية ومتناسبة مع خطر حقيقي يهدد المجتمع.

أما استخدام عبارات عامة وفضفاضة من قبيل «الذوق العام» أو «المظهر غير المناسب» دون تحديد قانوني دقيق، فمن شأنه أن يخلق حالة من الفوضى في التطبيق. فما يراه شخص لباسًا غير مناسب قد يراه آخر طبيعيًا، وما يعد مقبولًا في مكان قد يكون غير مناسب في مكان آخر. ولهذا لا يجوز أن تتحول الأذواق المتفاوتة إلى قواعد جزائية يعاقب الناس على أساسها.

الأردنيون، رجالًا ونساءً، عرفوا دائمًا بالاعتدال والاحترام والالتزام بقيم المجتمع. ولم يكن الأردن يومًا بحاجة إلى شرطة أخلاق تلاحق الناس بسبب ملابسهم. مجتمعنا يملك تقاليده وأعرافه وثقافته، وهي أقوى من أن تحتاج إلى فرضها بالعقوبات والملاحقات.

إن فرض القيم بالقوة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، لأن الأخلاق الحقيقية تتشكل بالتربية والوعي والقدوة والاقتناع، لا بالخوف من المخالفة أو الملاحقة. ومن يريد حماية قيم المجتمع فعليه أن يبدأ بتطوير التعليم، وتعزيز الثقافة، ودعم الأسرة، ومواجهة العنف والمخدرات والفساد والبطالة، بدل اختزال الأخلاق العامة في قطعة قماش.

في الأردن، مثل هذه الدعوات لن تكون قابلة للتطبيق عمليًا، ولن تنتج حلولًا حقيقية لأي مشكلة اجتماعية. وغالبًا ما تتحول هذه القضايا إلى فقاعات إعلامية وسياسية تستهلك وقت الناس وتغطي على ملفات أكبر وأكثر إلحاحًا.

الأردني الذي يعاني من البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الخدمات لن تتحسن حياته بمنع «الشورت». والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل لن يجدها من خلال إصدار تعليمات جديدة بشأن اللباس. والمدرسة التي تحتاج إلى تطوير، والمستشفى الذي يحتاج إلى تحسين، والاقتصاد الذي يحتاج إلى استثمارات وفرص إنتاجية، لن تعالج مشكلاتها بإطلاق حملات لمراقبة ملابس المواطنين.

الخوف الحقيقي لا يتوقف عند حدود هذه المطالبات، بل يكمن في إمكانية تطورها إلى مطالب أشد وأكثر تدخلًا في حياة الناس. فما يبدأ اليوم بالحديث عن «الشورت» قد ينتقل غدًا إلى لون اللباس وشكله، ثم إلى طريقة تصفيف الشعر، وبعد ذلك إلى الموسيقى والفنون والكتب والأنشطة الثقافية، وصولًا إلى فرض نموذج اجتماعي واحد وإقصاء كل من يختلف عنه.

عندها لن نكون أمام نقاش حول اللباس، بل أمام مشروع لإعادة تشكيل المجتمع بالقسر، وتقسيم الناس إلى فئات أكثر تدينًا أو أقل تدينًا، وأكثر التزامًا أو أقل التزامًا، وفق معايير يضعها من يمنحون أنفسهم حق الحكم على أخلاق الآخرين.

هذا المسار لا يحمي المجتمع، بل يشتته ويفرقه ويضعف نسيجه الوطني. فالأردن بلد يقوم على الاعتدال والتعددية والتعايش، وأي محاولة لتحويل الاختلاف الاجتماعي إلى مواجهة بين المحافظين وغير المحافظين ستنتج توترًا لا يحتاج إليه بلد يواجه تحديات اقتصادية وسياسية وإقليمية كبيرة.

أن هذه الدعوات، إن تحولت إلى قوانين أو ممارسات، ستؤثر على السياحة والاستثمار وصورة الأردن في الخارج. فالسائح الذي يأتي إلى الأردن لزيارة البترا ووادي رم والبحر الميت والعقبة لا يريد أن يشعر بأنه معرض للمساءلة بسبب لباسه. والمستثمر يبحث عن دولة مستقرة ومنفتحة وقوانينها واضحة، لا عن بيئة تتبدل فيها القواعد تبعًا لضغوط اجتماعية أو حملات موسمية.

تحويل الأردن إلى مجتمع منغلق لن ينتج مزيدًا من الفضيلة، بل قد ينتج مزيدًا من الفشل الاقتصادي والثقافي والعلمي، ويؤدي إلى تراجع السياحة والاستثمار، وزيادة البطالة، وهجرة الكفاءات والعقول الشابة الباحثة عن بيئة تحترم حريتها وإبداعها.

إن الدفاع عن الحرية الفردية لا يعني الدعوة إلى الانفلات أو الإساءة إلى قيم المجتمع، بل يعني احترام الإنسان وحقه في الاختيار، ما دام لا يعتدي على حقوق غيره ولا يرتكب فعلًا يجرمه القانون.

الأردن دولة قانون ومؤسسات، وليس دولة لجان تفتيش اجتماعي. وهو بلد الاعتدال والتنوع والانفتاح، ولن يكون من مصلحته أن يتحول إلى نموذج مغلق يراقب تفاصيل حياة الناس.

باختصار، الأردن ليس قندهار، واللباس ليس أزمة وطنية. أزمتنا الحقيقية في البطالة والفقر وضعف الإنتاج وتراجع التعليم والثقافة، وفي عجز بعض المسؤولين عن تقديم حلول حقيقية، فيهربون إلى معارك جانبية لا تطعم جائعًا، ولا تشغل عاطلًا، ولا تبني مدرسة، ولا تنهض باقتصاد.

مدار الساعة ـ