مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

رفيق السلاح… عندما يصبح الوفاء جزءاً من العقيدة العسكرية


اللواء عدنان العبادي
قائد العمليات الخاصة الأسبق ومدير مركز الأزمات الأسبق

رفيق السلاح… عندما يصبح الوفاء جزءاً من العقيدة العسكرية

اللواء عدنان العبادي
اللواء عدنان العبادي
قائد العمليات الخاصة الأسبق ومدير مركز الأزمات الأسبق
مدار الساعة ـ
رفيق السلاح… عندما يصبح الوفاء جزءا

لم تكن تغريدة جلالة الملك عبدالله الثاني في نعي الرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات مجرد رسالة عزاء، بل حملت في مضمونها دلالات عسكرية وإنسانية عميقة، تعكس طبيعة العلاقة التي تربط القائد بجنوده، وتؤكد أن المؤسسة العسكرية الأردنية لا تقيس الرجال فقط برتبهم أو مناصبهم، وإنما بما قدموه للوطن وما تركوه من إرث في بناء الإنسان العسكري.

إن عبارة “فقدنا رفيقاً عزيزاً في السلاح” ليست وصفاً بروتوكولياً، بل تعبير ينتمي إلى الثقافة العسكرية الاحترافية، حيث يشكل مفهوم “رفيق السلاح” أحد أعلى مراتب الثقة والولاء. ففي الجيوش المحترفة، لا تُبنى العلاقات على التسلسل القيادي فحسب، وإنما على المشاركة في التدريب والميدان والمخاطر، وهو ما يمنح هذه العبارة بعداً استراتيجياً يتجاوز الرثاء إلى التأكيد على أن القائد يظل وفياً لمن شاركوه مسيرة الخدمة العسكرية.

وتكشف التغريدة عن جانب مهم في فلسفة القيادة الأردنية، وهو أن العلاقة بين القيادة العليا وأفراد القوات المسلحة لا تنتهي بانتهاء الخدمة العسكرية. فالرائد المتقاعد سميح جنكات بقي حاضراً في ذاكرة القائد لما مثله من نموذج للمدرب والقائد العسكري الذي أسهم في إعداد أجيال من المظليين، وكان له دور مباشر في تدريب جلالة الملك على القفز الحر بعد تخرجه من أكاديمية ساندهيرست عام 1983، وهو ما يعكس عمق العلاقة المهنية والإنسانية التي امتدت لعقود.

ومن زاوية عسكرية، فإن اهتمام القائد بتكريم المدربين العسكريين يحمل رسالة مؤسسية بالغة الأهمية؛ فالجيوش لا تصنعها المعدات المتطورة وحدها، وإنما يصنعها المدربون الذين ينقلون الخبرة، ويؤسسون للعقيدة القتالية، ويزرعون قيم الانضباط والشجاعة والاحتراف. ولذلك فإن تكريم من درّب الأجيال هو تكريم لمنظومة بناء القوة العسكرية بأكملها.

كما أن اختيار جلالة الملك لعبارات مثل “طيب السيرة، نبيل الخصال، مثالاً في المحبة والوفاء والصدق” يؤكد أن المؤسسة العسكرية الأردنية تنظر إلى الأخلاق العسكرية باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من الكفاءة المهنية. فالقائد الناجح ليس من يمتلك المهارة القتالية فقط، بل من يجمع بين الاحتراف العسكري والقيم الإنسانية التي تبني الثقة داخل الوحدات العسكرية.

وتأتي هذه الرسالة أيضاً لتعزز ثقافة الوفاء داخل القوات المسلحة الأردنية، حيث يدرك العسكري، سواء كان على رأس عمله أو بعد تقاعده، أن سنوات خدمته لا تُنسى، وأن الدولة تحتفظ بالعرفان لمن أسهم في حماية الوطن وصناعة رجاله. وهذه الثقافة تشكل أحد أهم عناصر القوة المعنوية لأي جيش محترف، لأنها تعزز الانتماء، وترفع الروح المعنوية، وترسخ الإيمان بأن التضحية والعطاء يحظيان بالتقدير والوفاء.

وفي البعد الاستراتيجي، فإن مثل هذه المواقف تبعث برسالة تتجاوز حدود المؤسسة العسكرية إلى المجتمع بأكمله، مفادها أن بناء الدولة يبدأ ببناء الإنسان، وأن الاستثمار الحقيقي هو في الكفاءات الوطنية التي تصنع الأجيال وتحافظ على جاهزية القوات المسلحة.

لقد رحل الرائد المظلي المتقاعد سميح جنكات، لكن تغريدة جلالة الملك حولت لحظة الوداع إلى درس في القيادة العسكرية، وأعادت التأكيد على أن أعظم القادة هم أولئك الذين لا ينسون رفاق السلاح، ويجعلون الوفاء جزءاً أصيلاً من عقيدة القيادة، تماماً كما يجعلون الشجاعة والانضباط أساساً للعقيدة القتالية.

مدار الساعة ـ