مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

في عين العاصفة.. كيف أدار الأردن تداعيات الحرب الإقليمية؟


الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي

في عين العاصفة.. كيف أدار الأردن تداعيات الحرب الإقليمية؟

الدكتور  جاسر عبدالرزاق النسور
الدكتور جاسر عبدالرزاق النسور
دكتور الإدارة الاستراتيجية وتقييم الأداء المؤسسي
مدار الساعة ـ

عندما ارتفعت احتمالات إغلاق مضيق هرمز، وقفزت أسعار النفط، وبدأت الأسواق العالمية تترقب اتساع رقعة الحرب الأمريكية–الإيرانية–الإسرائيلية، لم يكن السؤال في الأردن: ماذا يحدث في الإقليم؟ بل كيف نحمي الداخل من تداعياته؟ فالحروب لا تتوقف آثارها عند حدود الدول المتحاربة، بل تمتد إلى الاقتصاد، والطاقة، وحركة التجارة، وسلاسل الإمداد، وهو ما فرض تحركًا مبكرًا يقوم على إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمة داخلية.

اتسم الموقف السياسي الأردني بالاتزان، مستندًا إلى الدعوة لخفض التصعيد، وتغليب الحلول السياسية، والحفاظ على المصالح الوطنية، مع تجنيب المملكة تداعيات المواجهة العسكرية. وفي بيئة إقليمية اتسمت بسرعة المتغيرات، وفر هذا النهج مساحة للتحرك الهادئ، بعيدًا عن الانفعال وردود الفعل.

في الوقت نفسه، رفعت المؤسسات الأمنية والعسكرية مستوى الجاهزية، وعززت إجراءاتها على الحدود وفي المجال الجوي، انطلاقًا من أن حماية الاستقرار تبدأ بالاستعداد المسبق، لا بانتظار تطورات الأحداث. وقد انعكس ذلك على الجبهة الداخلية التي بقيت مستقرة رغم حساسية المشهد الإقليمي.

الاختبار الأكثر تعقيدًا كان اقتصاديًا. فالتهديدات التي أحاطت بمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، لم تكن تعني ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل كانت تنذر بزيادة كلف الشحن والتأمين، وتعطيل سلاسل التوريد. لذلك، اتجهت الجهود إلى تأمين احتياجات المملكة من المشتقات النفطية، والمحافظة على المخزون الاستراتيجي، والاستعداد لبدائل تضمن استمرار الإمدادات مهما تطورت الأحداث.

ولأن الأمن الغذائي يمثل جزءًا من الأمن الوطني، جاءت الأولوية للمحافظة على المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وضمان استمرار عمليات الاستيراد، وتشديد الرقابة على الأسواق، بما حافظ على استقرار الأسعار، ومنع أي محاولات للاحتكار أو استغلال الظروف الإقليمية.

وفي الجانب النقدي، قدم البنك المركزي الأردني نموذجًا في إدارة السياسة النقدية، من خلال المحافظة على استقرار سعر صرف الدينار مقابل الدولار، وتوفير العملات الأجنبية اللازمة لتمويل المستوردات، واستمرار فتح الاعتمادات المستندية، وهي خطوات حافظت على انسيابية حركة التجارة، وعززت ثقة القطاع الخاص، ورسخت الاستقرار المالي في مرحلة اتسمت بارتفاع مستوى المخاطر.

واستند التنسيق بين رئاسة الوزراء ووزارة الدولة للشؤون الاقتصادية ومختلف الوزارات والمؤسسات إلى خبرة مؤسسية متراكمة اكتسبتها الدولة في إدارة الأزمات، بدءًا من جائحة كورونا في عهد حكومة الدكتور بشر الخصاونة، وصولًا إلى إدارة تداعيات الحرب الإقليمية في عهد حكومة الدكتور جعفر حسان، الأمر الذي أسهم في سرعة اتخاذ القرار، وتعزيز كفاءة الاستجابة، والحد من انعكاسات الأزمة على الاقتصاد الوطني.

وتكشف هذه التجربة أن إدارة الأزمات لا تبدأ عند وقوعها، بل بتعزيز الجاهزية المؤسسية، وبناء قدرات قادرة على استشراف المخاطر والتعامل مع المتغيرات البيئية العالمية، ووضع سيناريوهات بديلة، وتحديد المسؤوليات بوضوح. فنجاح أي دولة في مواجهة الأزمات ليس وليد قرار لحظي، بل ثمرة تخطيط، وجاهزية، وعمل مؤسسي متراكم.

الحروب تكشف معادن الدول، لا بحجم ما تمتلكه من إمكانات فحسب، بل بقدرتها على إدارة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات. وخلال هذه المرحلة، قدم الأردن تجربة تستحق التوقف عندها، لأنها أبرزت قيمة العمل المؤسسي، وسرعة التنسيق، واستباق الأحداث. فحين تتكامل السياسة مع الاقتصاد، والأمن مع الإدارة، يصبح الحفاظ على الاستقرار نتيجة طبيعية، حتى في أكثر البيئات الإقليمية اضطرابًا.

ويبقى الدرس الأهم أن الاستثمار في بناء المؤسسات، وتعزيز جاهزيتها، ووضوح توزيع المسؤوليات، هو الضمانة الحقيقية لعبور الأزمات. فالتحديات الإقليمية قد تتغير، لكن الدول التي تمتلك مؤسسات قوية ورؤية استباقية تظل الأكثر قدرة على حماية أمنها، وصون اقتصادها، والحفاظ على ثقة مواطنيها.

سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخاً بقيادته وشعبه

مدار الساعة ـ