قد لا يكون أكبر خطر يواجه إيران هو الهزيمة العسكرية، بل التآكل التدريجي للمؤسسات التي تمكّن الدولة من تحويل السلطة السياسية إلى قرارات وإجراءات عملية.
فبعد أسابيع من الضربات المتبادلة، والردود العسكرية، والضغوط المتزايدة حول مضيق هرمز، لم يعد السؤال المركزي يتمحور فقط حول قدرة إيران على تحمّل الضغوط العسكرية، بل أصبح يتعلق بما إذا كانت مؤسساتها قادرة على مواصلة تنسيق القرارات في ظل ضغط خارجي مستمر.تحركت إيران سريعاً لتسمية مجتبى خامنئي خلفاً لعلي خامنئي بعد مقتله، لكن عملية الانتقال لم تجب عن السؤال الأهم الذي يشغل الولايات المتحدة وحلفاءها: من الجهة القادرة على اتخاذ قرارات تُلزم الدولة الإيرانية بشكل موثوق؟وهذه ليست مسألة نظرية تتعلق بالسياسة الإيرانية الداخلية، فالدبلوماسية والردع وإدارة الأزمات تعتمد جميعها على قدرة الحكومة على تقديم التزامات وتنفيذها، كما أنها تحدد فيما إذا كانت اتفاقيات وقف إطلاق النار ستصمد، وفيما إذا كان يمكن التحقق من الالتزامات النووية، وفيما إذا كانت العمليات العسكرية ستؤدي إلى تصعيد غير مقصود، وفيما إذا كانت أسواق الطاقة العالمية يمكنها الاعتماد على استقرار الخليج.لذلك، فإن مشكلة إيران لا تقتصر على مسألة الخلافة السياسية، بل تتمثل فيما إذا كان الصراع الطويل قد بدأ يضعف الآلية التي تحوّل السلطة السياسية إلى فعل مؤسسي.فعندما قُتل خامنئي خلال اولى الضربات، تحركت إيران بسرعة للحفاظ على مظهر الاستمرارية عبر تنصيب نجله مجتبى، وكان الهدف من سرعة الانتقال إظهار الاستقرار في زمن الحرب، لكن النتيجة الفعلية تمثلت في خلق حالة من الغموض، وظل مجتبى غائبا، كما غاب عن جنازة والده، واستمرت البيانات المنسوبة إليه بالظهور عبر القنوات الرسمية الإيرانية، في وقت قدمت فيه تقييمات استخباراتية أجنبية تفسيرات متباينة حول أسباب غيابه، لكن القضية لا تتعلق فقط بحالته الشخصية، بل بما إذا كان المنصب الذي يشغله لا يزال يعمل بالصلاحيات والنفوذ المرتبطين به تاريخياً.فالدول لا تتجاوز الأزمات عبر القيادة فقط، بل تعتمد أيضاً على مؤسسات قادرة على تنسيق القرارات بين الأجهزة الأمنية، والوزارات، والأنظمة المالية، والبنية التحتية الحيوية. هذه المنظومة هي التي تسمح للحكومات بامتصاص الضغوط دون فقدان السيطرة.ويكمن التحدي الإيراني في أن العلاقة بين السلطة الرسمية والسلطة الفعلية أصبحت أكثر صعوبة في التقييم.فالرئيس بزشكيان أبدى في بعض الأحيان ميلاً نحو الانخراط الدبلوماسي، لكنه يعمل ضمن نظام تحتفظ فيه المؤسسات الأمنية القوية والحرس الثوري بنفوذ كبير على السياسة الخارجية والعسكرية، والنتيجة هي حكومة لا تبدو فيها دائماً السلطة الدستورية متطابقة مع السلطة العملية، ولكن خصوم ايران والذين يمكن توقع سلوكهم لا يحتاجون بالضرورة إلى قادة يتمتعون بشعبية، بل ان ما يحتاجونه هو سلسلة قيادة واضحة يمكن فهمها.ولا تحتاج الحكومة إلى أن تكون ديمقراطية حتى تكون قابلة للتنبؤ، لكنها تحتاج إلى مؤسسات يمكن تحديد قراراتها وتنفيذها، وغياب ذلك يجعل الردع أقل موثوقية، ويجعل المفاوضات أكثر صعوبة، ويرفع احتمالات سوء التقدير.والخطر لا يكمن فقط في أن تصبح إيران أضعف، بل في أن تصبح عصية على القراءة والفهم.وعلى الولايات المتحدة توخي الحذر من الخلط بين إيران الأضعف وإيران الأكثر أمناًـ فقد تفقد الدولة تماسكها المؤسسي قبل أن تفقد قدرتها على إحداث الخطر.وهذا لا يعني بالضرورة أن إيران تفقد السيطرة، فالدول قادرة أحياناً على العمل لعقود طويلة في ظل مؤسسات متداخلة وفصائل متنافسة، لكن السؤال الأكثر صعوبة يتمثل في قدرة الأطراف الخارجية على التمييز بين الاستراتيجية المقصودة والصراع الداخلي، في وقت تتزايد فيه مخاطر سوء الحسابات.ولهذا فإن المقارنات مع ليبيا أو العراق أو سوريا أو أفغانستان تبقى غير مكتملة، فقد فقدت تلك الدول مراكز قوتها نتيجة الانهيار أو الغزو، أما الخطر الإيراني فهو مختلف: فقد تحتفظ الدولة بوزاراتها، وأجهزتها الأمنية، ومؤسساتها السياسية، لكنها تفقد الوضوح بشأن كيفية تنسيق عمل تلك المؤسسات.وتمثل إيران حالة مختلفة، فالولايات المتحدة لا تسعى إلى احتلال إيران أو تفكيك حكومتها، لكن التحذير يبقى قائماً: إضعاف الهياكل الإدارية لدولة ما دون فهم ما سيحل محلها قد يؤدي إلى بيئة أمنية أكثر صعوبة في الإدارة من الوضع السابق.وتزداد الحالة الإيرانية تعقيداً لأن المؤسسات الأكثر قدرة على الحفاظ على النظام هي نفسها المنخرطة بعمق في الصراع، فالحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل هو جزء متداخل من المشهد السياسي والاقتصادي الإيراني.وقد لا يؤدي ضعف المركز إلى انتقال منظم للسلطة، بل ربما إلى تنافس بين مؤسسات تمتلك من القوة ما يكفي لتعطيل بعضها البعض، لكنها لا تمتلك قوة كافية للحكم بمفردها.تاريخياً، حافظت إيران على تماسكها الإقليمي عبر دولة مركزية قوية، وقد عانت المجتمعات الكردية والبلوشية والعربية وغيرها من مظالم سياسية واقتصادية طويلة الأمد. وإذا ضعفت المؤسسات المركزية، فقد تصبح إدارة هذه التحديات أكثر صعوبة بالنسبة لطهران، والخطر لا يتمثل بالضرورة في تفكك فوري للدولة، بل في مركز سياسي يصبح أقل قدرة على تنسيق شؤون البلاد بأكملها.كما وستتجاوز تداعيات ذلك حدود إيران، فأزمة السلطة في طهران ستؤثر على أسواق الطاقة، وطرق الملاحة، والرقابة النووية، وكل حكومة تعتمد على استقرار الخليج.كما أن الغموض بشأن الجهة التي تتحكم في قرارات التصعيد يزيد من خطر سوء التقدير، فالمشكلة أمام الحكومات الأجنبية لا تتمثل فقط في معرفة ما تنوي إيران فعله، بل في معرفة ما إذا كانت مؤسساتها قادرة بشكل موثوق على تنفيذ أي قرار تتخذه.ولهذا على واشنطن تجنب تعريف ضيق للنجاح، فقد يؤدي تدمير القدرات العسكرية إلى تحقيق أهداف آنية، لكن النجاح الاستراتيجي يتطلب وجود دولة قادرة على السيطرة على قواتها، والالتزام بتعهداتها، وإدارة سلوكها.فيجب ألا يكون الهدف انهيار السلطات الإيرانية، بل ظهور دولة إيرانية قادرة على السيطرة على أراضيها، والوفاء بالتزاماتها، والمشاركة في نظام إقليمي أكثر استقراراً.وعلى الولايات المتحدة العمل بشكل وثيق مع الشركاء الإقليميين الذين يحتفظون بعلاقات ونفوذ في المنطقة، ليس لأن الدبلوماسية تضمن التوصل إلى اتفاق، بل لأن وجود سلسلة قيادة غير واضحة يتطلب مزيداً من قنوات الاتصال والتحقق وخفض التصعيد.وقد لا يتمكن الفاعلون الإقليميون من حل التناقضات الداخلية في إيران، لكنهم يستطيعون توفير قنوات إضافية عندما تكون الاتصالات المباشرة بين واشنطن وطهران محدودة، أو عندما يكون من غير الواضح من داخل النظام الإيراني يمتلك سلطة اتخاذ القرارات وتنفيذها.تواجه الولايات المتحدة معضلة استراتيجية مألوفة: فالنجاح التكتيكي قد يخلق ظروفاً تعقّد تحقيق النجاح السياسي.ويجب أن تُبنى الدبلوماسية المستقبلية على التحقق، والقدرة على التنفيذ، وفهم واقعي لكيفية عمل موازين القوة داخل إيران، فالاتفاقيات لا تكون ذات قيمة إلا عندما تكون المؤسسات التي تقف خلفها قادرة على تنفيذها.أما التحدي أمام واشنطن فلا يتمثل فقط في مواجهة إيران، بل في تجنب مستقبل يصبح فيه الجميع، طهران وواشنطن وحلفاؤهما، غير قادرين على التأكد من الجهة التي تملك السلطة لمنع الأزمة القادمة.الخطر الأكبر على إيران ليس اختفاء الدولة، بل بقاؤها كدولة بالاسم فقط، مع فقدان تدريجي للتماسك المؤسسي الضروري للحكم، والسيطرة على التصعيد، وتقديم التزامات ذات مصداقية.فالحكومة التي تعجز عن جعل قراراتها مفهومة وواضحة لنفسها، لن تكون موثوقة بالنسبة للآخرين.إيران أمام الخطر الحقيقي: أزمة في السلطة والقدرة على اتخاذ القرار
مدار الساعة ـ