مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الزراعة الأردنية.. سيرة ومسيرة ورؤية التحديث الاقتصادي


المهندسة الزراعية فداء الروابدة

الزراعة الأردنية.. سيرة ومسيرة ورؤية التحديث الاقتصادي

مدار الساعة ـ

تعتبر الزراعة في الأردن أحد القطاعات الإستراتيجية المرتبطة بتاريخ الدولة والمجتمع، فهي ليست مجرد نشاط إقتصادي بل جزء أصيل من الهوية الوطنية وأحد الركائز الأساسية للأمن الغذائي والتنمية المستدامة. وعلى الرغم من التحديات الكبيرة التي واجهتها المملكة خلال العقود الماضية ،استطاع القطاع الزراعي تقديم نموذجاً وطنياً في تحويل التحديات إلى فرص وأثبت قدرته على التكيف والتطور ، والتحول من قطاع يعتمد على الأساليب التقليدية إلى قطاع أكثر اعتماداً على التكنولوجيا والإبتكار .

يمتلك الأردن تاريخاً زراعياً ممتداً لآلاف السنين مستفيداً من تنوعه البيئي والمناخي .فقد بدأت الحكومات المتعاقبة بتنظيم القطاع الزراعي وإنشاء المؤسسات والمديريات المختصة، وتطوير خدمات الإرشاد والبحث العلمي الزراعي. وشكل تنفيذ مشاريع الري في الأغوار وعلى رأسها قناة الملك عبدالله محطة مفصلية في مسيرة التنمية الزراعية، حيث ساهمت في تحويل منطقة وادي الأردن إلى واحدة من أهم المناطق الزراعية في المنطقة.كما شهدت العقود اللاحقة توسعاً في الزراعة المحمية وإنتشار أنظمة الري الحديثة خاصة الري بالتنقيط، وتطور الأبحاث الزراعية، مما انعكس على زيادة الإنتاج وتحسين جودة المنتجات الزراعية الأردنية وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق العربية والدولية.

ومع إطلاق رؤية التحديث الإقتصادي عام 2022 دخل القطاع الزراعي مرحلة جديدة من التطوير التي وضعت الزراعة والصناعات الزراعية الغذائية ضمن القطاعات ذات الأولوية بإعتبارها محركاً للنمو الإقتصادي، وداعماً رئيسياً للأمن الغذائي، ومصدراً مهماً لفرص العمل وزيادة الصادرات. وركزت الرؤية على تطوير سلاسل القيمة الزراعية وتشجيع الإستثمار والتوسع في التصنيع الغذائي، وتعزيز استخدام التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي وتحسين كفاءة استخدام المياه وفتح أسواق تصديرية جديدة، بما يساهم في رفع القيمة المضافة للقطاع وتعزيز تنافسية المنتجات الأردنية في الأسواق العالمية.

تعكس المؤشرات الرسمية حجم التطور الذي شهده القطاع الزراعي خلال السنوات الأخيرة، حيث سجل نمواً اقتصادياً بلغ 6.9% خلال عام 2024، وهو من أعلى معدلات النمو بين القطاعات الإقتصادية، فيما ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 5.4%، بقيمة مضافة بلغت حوالي 2.26 مليار دينار أردني.كما حققت الصادرات الزراعية والغذائية مستوى عالي، إذ ارتفعت قيمتها إلى نحو 1.529 مليار دينار أردني خلال عام 2024، مقارنة مع 1.103 مليار دينار في عام 2023، بزيادة بلغت 426 مليون دينار، وبنسبة نمو قاربت 39%.وامتد هذا النمو ليشمل معظم المنتجات الزراعية،حيث ارتفعت صادرات الفواكه بنحو 80%، والخضروات بنسبة 15%،فيما زادت صادرات الحيوانات الحية بنسبة 38%، متجاوزة 750 ألف رأس، إضافة إلى تصدير نحو 150 ألف رأس من اللحوم.

وعلى صعيد الإنتاج، بلغ إنتاج الخضروات نحو 1.8 مليون طن سنوياً، وإنتاج الفواكه حوالي 549 ألف طن سنوياً، كما حقق الأردن مستويات مرتفعة من الإكتفاء الذاتي في عدد من السلع الغذائية مثل الخضروات الطازجة وبيض المائدة وهو ما يعكس تطور الإنتاج الزراعي وتحسن كفاءة سلاسل الإنتاج والتسويق.

ولعبت التكنولوجيا الزراعية دوراً كبيراً في تحقيق هذه النتائج، إذ توسع الأردن في تطبيق أنظمة الري بالتنقيط، والزراعة المحمية، والزراعة المائية، وتقنيات الحصاد المائي، واستخدام الطاقة الشمسية في الضخ والري، إضافة إلى تطبيقات الزراعة الذكية مناخياً، والرقمنة، والإرشاد الزراعي الإلكتروني مما ساهم في رفع الإنتاجية كماً ونوعاً، وترشيد استهلاك المياه والطاقة، وتعزيز قدرة القطاع على التكيف مع التغيرات المناخية.

ورغم الإنجازات المتحققة وبعد مرور أربع سنوات على إطلاق رؤية التحديث الإقتصادي وتنفيذ الحكومة حزمة من البرامج والمبادرات الهادفة الى تعزيز وإستدامة القطاع الزراعي ،لا تزال الزراعة الأردنية تواجه عدداً من التحديات، أبرزها شح المياه وتأخر تنفيذ مشاريع المياه الزراعية والحاجة الى التوسع في إستخدام الري بالتنقيط وإعادة استخدام المياه المعالجة وحصاد مياه الأمطار ، والتغيرات المناخية والتي من الضروري دمجها مع جميع المبادرات الزراعية، وارتفاع كلف مستلزمات الإنتاج، وضعف التمويل والإستثمار المخصص للقطاع مقارنة بطموحات الرؤية.

بالاضافة الى تأخر تنفيذ المبادرات وضعف التنسيق الحكومي وتداخل الصلاحيات بين المؤسسات المعنية ،وتفتت الملكيات الزراعية، وتقلب الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد، والآفات والأمراض الزراعية، والحاجة إلى تطوير منظومة التسويق الزراعي والبحث العلمي، إلى جانب نقص العمالة الزراعية المنظمة وغياب منظومة واضحة للمتابعة والتقييم.

وفي زراعة اكثر استدامة وإقتصاد اخضر وإقتصاد دائري قائم على المعرفة يجب أن تتجه السياسات الزراعية الأردنية إلى بناء قطاع أكثر قدرة على مواجهة التغيرات المناخية وأكثر كفاءة في استثمار الموارد الطبيعية ومواجهة الكوارث الطبيعية من خلال تطوير وتحديث اللوائح الناظمة للقطاع والتركيز على الابتكار والتكنولوجيا والتصنيع الغذائي وتحسين الإنتاجية.

وتؤكد التجربة الأردنية أن محدودية الموارد لم تكن عائقاً أمام التطور بل الحاجة الى إرادة وإدارة سليمة للبحث عن حلول جديدة وتبني تقنيات زراعية حديثة أكثر مرونة وقدرة على المنافسة. والسعي خلال السنوات المقبلة إلى رفع القيمة المضافة للقطاع الزراعي،تعزيز الأمن الغذائي الوطني،التوسع في التصنيع الغذائي،زيادة استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي،تحسين إدارة الموارد المائية،فتح أسواق تصديرية جديدة.

في الخلاصة

لقد أثبتت الزراعة الأردنية، عبر مسيرتها الممتدة، أن الإرادة والإدارة السليمة والتخطيط والابتكار قادرة على تجاوز أصعب التحديات،واليوم ومع استمرار تنفيذ رؤية التحديث الإقتصادي يحتاج القطاع الى دخول مرحلة جديدة تقوم على المعرفة والتكنولوجيا والإستدامة، بما يعزز مكانته كأحد أهم محركات النمو الإقتصادي، وركيزة أساسية للتنمية الشاملة، وضمانة لمستقبل زراعي أكثر كفاءة وقدرة على المنافسة بما يخدم الأردن ويعزز أمنه الغذائي للأجيال القادمة.

مدار الساعة ـ