الخطأ الأكبر في قراءة السلوك الإيراني هو الاعتقاد أن ما يجري مجرد تبادل للضربات العسكرية. فإيران لا تقيس نجاحها بعدد الصواريخ التي تصيب أهدافها بل بقدرتها على إعادة تشكيل البيئة السياسية للدول التي تستهدفها. وعندما يتعلق الأمر بالأردن فإن الهدف لا يتمثل في إحداث أضرار مادية بقدر ما يتمثل في إنتاج أزمة ثقة داخلية وتشويش الإدراك العام ودفع المجتمع إلى الانشغال بالتشكيك في مؤسساته بدلاً من الانشغال بحقيقة مصدر التهديد. لذلك فإن عدوان إيران على الأردن هو في جوهره حرب سياسية تُستخدم فيها الأدوات العسكرية والإعلامية معاً.
ومن يعتقد أن إيران تقصف الأردن من أجل فلسطين يقرأ المشهد بعاطفته وليس بعقله. وما تفعله طهران يكشف أن معركتها الحقيقية ليست مع الاحتلال بقدر ما هي مع استقرار الدول العربية التي ترفض الانخراط في مشروعها الإقليمي. لذلك فإن استهداف الأردن لا يمكن عزله عن استراتيجية أوسع تقوم على السعي لإرباك الداخل وإضعاف الثقة بالمؤسسات وخلق انقسام سياسي واجتماعي يخدم النفوذ الإيراني أكثر مما يخدم القضية الفلسطينية.ومن هنا يمكن فهم السلوك الإعلامي الإيراني المصاحب لأي تصعيد عسكري. فكلما كانت النتائج الميدانية محدودة ارتفع منسوب الخطاب الدعائي. تُعلن أهداف عسكرية لم تكن موجودة أصلاً وتُضخَّم آثار الضربات وتُنسج روايات عن إنجازات استراتيجية لا تجد لها أي انعكاس على الأرض. إنها محاولة لتعويض محدودية الأثر العسكري عبر صناعة انتصار إعلامي لأن الحرب النفسية بالنسبة لطهران ليست عملاً مُكملاً للعمليات العسكرية بل جزءاً أصيلاً منها. ولذلك فإن التعامل مع هذه الروايات لا يكون بترديدها أو الانفعال معها وإنما بفهم الغاية الحقيقية منها وهي التأثير على الإدراك الجمعي أكثر من التأثير على الواقع العسكري.لكن هذه المحاولات تصطدم بحقيقة لا تستطيع الدعاية الإيرانية تجاوزها، وهي أن المجتمع الأردني يمتلك وعياً سياسياً متراكماً يجعله أكثر قدرة على التمييز بين الشعارات والحقائق وثقة كبيرة بقواته المسلحة. فمنذ سنوات تحاول إيران إضفاء غطاء ديني على مشروعها الإقليمي وتقديم توسعها السياسي والعسكري باعتباره طريقاً إلى تحرير القدس. إلا أن التجربة العملية كشفت الفارق الكبير بين الخطاب والممارسة. فلم يعد من السهل إقناع الأردنيين بأن كل تدخل إقليمي يحمل عنوان فلسطين ولا أن كل من يرفع شعار المقاومة يعمل فعلاً من أجلها. فالأردنيون بحكم قربهم من القضية الفلسطينية وارتباطهم التاريخي بها يدركون أن فلسطين ليست شعاراً للاستهلاك السياسي وإنما قضية لها استحقاقات حقيقية لا تُقاس بعدد الخطب ولا بحدة الشعارات.ولعل اختبار "طوفان الأقصى" شكّل لحظة فارقة في هذا السياق. فحين كانت التوقعات تتجه نحو انخراط شامل لمن طالما قدّم نفسه بوصفه رأس محور المقاومة، جاءت الوقائع مختلفة تماماً. لم يحدث ذلك الانخراط الموعود ولم تُفتح الجبهات بالصورة التي بشّر بها الخطاب السياسي والإعلامي لسنوات بل تُركت المقاومة تواجه واحدة من أعنف المواجهات منفردة بينما استمرت المواقف الإعلامية في رفع سقف التصريحات في مشهد كشف الفجوة بين الخطاب والقدرة وبين الوعود والواقع. وهنا بدأ كثيرون يطرحون السؤال الطبيعي: إذا كان المشروع يُقدَّم على أنه مشروع تحرير، فلماذا بقي في حدود الخطاب عندما جاءت لحظة الاختبار الحقيقية؟وإذا انتقلنا إلى الاعتداءات التي طالت الأردن فإن محاولة ربطها بالدفاع عن فلسطين تبدو أكثر تناقضاً من أي وقت مضى. فالاعتداء على دولة ذات سيادة لا يمكن أن يكون دعماً للقضية الفلسطينية كما أن تعريض أمن الأردنيين للخطر لا يخدم غزة ولا يحمي القدس. بل إن الحقيقة الأكثر وضوحاً هي أن هذه الاعتداءات تستهدف استقرار الأردن وثقة مواطنيه بمؤسساتهم في محاولة لخلق حالة من الإرباك الداخلي تخدم أجندات إقليمية لا علاقة لها بمصلحة الشعب الفلسطيني.ويبرز هذا التناقض بصورة أكثر وضوحاً عند النظر إلى طبيعة الأهداف التي جرى استهدافها. فحين يتعرض مطار العقبة المدني للاعتداء بينما يبقى مطار رامون الإسرائيلي القريب جغرافياً خارج دائرة الاستهداف فإن السؤال المطروح يصبح مشروعاً بل بواقع الحال يصبح واجباً. فإذا كان الهدف الحقيقي هو مواجهة الاحتلال فلماذا يُستهدف مرفق مدني أردني بينما يُتجاوز مرفق إسرائيلي يقع على بعد كيلومترات قليلة؟ إن هذا التناقض يكشف أن البوصلة الفعلية تختلف كثيراً عن البوصلة المعلنة وأن زعزعة استقرار الدول العربية أصبحت في كثير من الأحيان أولوية تتقدم على مواجهة الاحتلال نفسه.وفي المقابل يقدم الأردن نموذجاً مختلفاً تماماً في التعامل مع القضية الفلسطينية. فهو لا يحتاج إلى المزايدة ولا إلى رفع الشعارات ولا إلى تخوين الآخرين. فمنذ بداية العدوان على غزة كان الأردن حاضراً بالفعل قبل القول عبر الجهد الدبلوماسي المكثف والتحرك السياسي المستمر وإرسال المساعدات الإنسانية والإغاثية وتنظيم الجسور الجوية والبرية والعمل المتواصل لتثبيت أهل غزة على أرضهم. لقد اختار الأردن أن تكون أفعاله هي لغته السياسية وأن يقيس مواقفه بما تحققه على الأرض وليس بما تحققه في عناوين الأخبار أو على منصات التواصل الاجتماعي.لذلك عندما يُدفَع المجتمع الأردني إلى الشك بمؤسساته وإلى محاكمة دولته بدلاً من محاكمة المعتدي يكون الخصم قد حقق أخطر انتصاراته من دون أن يسيطر على متر واحد من الأرض. فالدعاية الإيرانية ليست ضجيجاً إعلامياً بسيطاً بل سلاح سياسي كامل الأركان هدفه قلب تعريف الخطر وتشويه البوصلة وتحويل المعتدي إلى صاحب رواية والدولة المستهدفة إلى موضع اتهام. وهذا هو جوهر الحرب الحديثة: أن تُضعف الدولة في عيون أبنائها قبل أن تحاول إضعافها في الميدان.والأردن رغم محدودية موارده وتعقيد بيئته الإقليمية اختار الطريق الأصعب. طريق الدولة التي تتحمل مسؤولياتها وتحمي سيادتها وتدافع عن مصالحها وتساند أشقاءها بالفعل لا بالمتاجرة بقضاياهم. ولذلك فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على ارتفاع صوت الخطابات بل على بقاء الجبهة الداخلية الأردنية متماسكة ومدركة أن قوة الدولة تبدأ من قوة وعي شعبها وأن الثقة الوطنية هي السلاح الذي لم تستطع كل حملات التضليل، ولن تستطيع، أن تنتزعه من الأردنيين.إيران لا تستهدف الأردن.. بل تستهدف وعي الأردنيين
مدار الساعة ـ