مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

جيل زد والسياسة.. دراسات ترصد تحول اهتمامات الشباب من الأحزاب إلى المنصات والقضايا اليومية

مدار الساعة,أخبار الصحة والأسرة
مدار الساعة ـ
حجم الخط

مدار الساعة -يقال إن جيل زد لا يقرأ البرامج الانتخابية، ولا يتابع البرلمانات، ولا يثق بالأحزاب، ويفضل مقطعاً قصيراً على مناظرة طويلة. لكن هذا الحكم، رغم ما فيه من جزء صحيح، لا يرى الصورة كاملة.

الجيل الذي أعطى كلمة «لا سياسي» (بمعنى عدم الاهتمام بالسياسة التقليدية) حضوراً واسعاً، هو نفسه الجيل الذي خرج إلى الشوارع في أكثر من بلد، وحرّك حملات على المنصات، وأسقط حكومات، وغيّر لغة النقاش العام. لذلك تبدو المفارقة التي يطرحها الأجيال الأخرى عن الشباب والسياسة دقيقة: كيف يكون الجيل «لا سياسياً»، وفي الوقت نفسه قادراً على صناعة اضطراب سياسي كبير؟

سياسة مختلفة

الشباب لا يهربون دائماً من السياسة لأنها لا تعنيهم، أحياناً يهربون من صورتها الرسمية: الأحزاب، الخطابات الطويلة، الوعود المتكررة، واللغة التي تبدو منفصلة عن حياتهم. السياسة بالنسبة لهم لا تبدأ بالضرورة من صندوق الاقتراع، تبدأ من الإيجار، والراتب، والتضخم، والبطالة، والمناخ، والهوية، والحرب، والتمييز، والقدرة على بناء حياة مستقرة.

حين يقول شاب إنه «لا يفهم السياسة»، قد يكون يقصد أنه لا يفهم لعبة المصطلحات والمؤسسات. لكنه يفهم جيداً أن قراراً حكومياً قد يرفع كلفة دراسته، أو يؤثر في عمله، أو يحدد ما يستطيع قوله على المنصات، أو يغير فرصه في الهجرة والسكن والزواج.

لذلك لا تبدو السياسة عند جيل زد دائماً على هيئة انتماء حزبي، تظهر في الهاشتاغ، وفي التبرع، وفي اختيار العمل، وفي النقاشات اليومية، وفي الغضب السريع من الظلم حين يتحول إلى صورة أو فيديو.

أرقام متناقضة

تبدو الأرقام للوهلة الأولى كأنها تؤكد الصورة الشائعة: الشباب أقل اهتماماً بالسياسة. ففي الولايات المتحدة، قدر مركز «سيركل» في جامعة تافتس أن مشاركة الناخبين بين 18 و29 عامًا في انتخابات 2024 بلغت نحو 42%، بعد أن تجاوزت 50% في انتخابات 2020.

كما أظهر استطلاع «إيه بي - نورك» أن الشباب تحت 30 عاماً أقل متابعة للسياسة من كبار السن، إذ قال نحو 2 من كل 10 فقط إنهم يتابعون السياسة بدرجة عالية، مقارنة بـ45% من البالغين فوق 60 عاماً.

لكن هذه الأرقام لا تقول إن السياسة خرجت من حياة الشباب. هي تقول شيئاً آخر: أن الشباب يبتعدون عن الشكل الرسمي للسياسة، لا عن آثارها. قد لا يتابعون جلسة برلمان، لكنهم يتابعون ارتفاع الإيجار. قد لا يقرأون برنامجاً انتخابياً، لكنهم يشعرون بسعر الوقود، ورسوم الجامعة، وصعوبة الحصول على وظيفة، وتكاليف العلاج، وقلق المناخ، وحدود الكلام على المنصات.

هنا تظهر المفارقة، جيل يقول «لا نهتم بالسياسة»، بينما أكثر ما يضغط على حياته هو نتائج قرارات سياسية واقتصادية، فهو لا يقف خارج السياسة فعلياً، بل يقف خارج لغتها التقليدية.

وفي استطلاع «ديلويت» لعام 2025، الذي شمل أكثر من 23 ألفًا من جيل زد والميلينيالز في 44 دولة، ظهر أن المال والمعنى والرفاه هي أكثر ما يشغلهم. هذه ليست قضايا شخصية منفصلة عن السياسة. المال يرتبط بالأجور والتضخم والسكن. العمل يرتبط بالقوانين وسوق الوظائف. الصحة النفسية ترتبط بأنظمة العمل والتعليم والرعاية. حتى القدرة على العيش بكرامة نتيجة بيئة تصنعها السياسات.

امتياز الانسحاب

من هنا تصبح عبارة «لا أريد أن أفهم السياسة» أكثر تعقيداً، فهي لا تعني دائمًا اللامبالاة، وقد تكون أحياناً تعباً مفهوماً من الأخبار والصراعات والمنصات، لكن القدرة على الانسحاب الكامل من السياسة تظل امتيازاً.

لأن هناك من لا يستطيع الانسحاب، فالطالب الذي قد يرفع قرار واحد رسوم دراسته، لا يملك رفاهية القول إن السياسة لا تعنيه، والعامل الذي يحدد القانون أجره وساعات عمله لا يستطيع أن يتعامل مع السياسة كضجيج بعيد، والمهاجر الذي ينتظر تأشيرة، والشاب الذي يعيش في بلد تمر به أزمة، كلهم يعرفون أن السياسة ليست موضوعاً في نشرة الأخبار، بل قوة تدخل البيت والجيب والجسد والمستقبل.

ولهذا، فإن عدم فهم السياسة لا يلغي أثرها. السياسة تدخل حياة الناس حتى لو لم يدخلوا هم إليها. تدخل في سعر الخبز، وفاتورة الكهرباء، وفرصة العمل، وحظر التطبيق، وحدود الكلام، ومصير الاحتجاج. من يقول إنه لا يهتم بالسياسة قد يكون محظوظًا بما يكفي كي لا تطرق السياسة بابه بقسوة.

سياسة المنصة

مع جيل زد، السياسة انتقلت من قاعة الحزب إلى شاشة الهاتف، وهذا يجعلها أوسع وأخطر في الوقت نفسه، فالشاب قد لا يقرأ بيانًا انتخابيًا، لكنه يتلقى موقفاً سياسياً من صانع محتوى، أو مقطع ساخر، أو بودكاست، أو حملة على «تيك توك»، وقد لا يسمي ذلك سياسة، مع أنه يشارك في تشكيل رأيه السياسي.

جيل زد لا يحتاج إلى محاضرة عن أهمية السياسة بقدر ما يحتاج إلى لغة سياسية لا تتعامل معه كمتهم. هذا جيل كبر وسط أزمات متراكمة: وباء، تضخم، حروب، مناخ، بطالة، قلق، ومنصات تجعل العالم كله في جيبه. من الطبيعي أن يكون غاضبًا، ساخرًا، متشككًا، وأحيانًا منهكًا.


مدار الساعة ـ