مدار الساعة -في ظل تزايد الاهتمام بمصادر البروتين البديلة، عادت الحشرات واليرقات الصالحة للأكل إلى النقاش الغذائي العالمي، باعتبارها خيار موجود أصلاً في موائد شعوب كثيرة. فبينما تدخل هذه الأطعمة في ثقافات غذائية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما زالت تثير تحفظاً واضحاً في مجتمعات أخرى ترى فيها طعاماً غير مألوف. ومع ارتفاع الضغوط على أنظمة الغذاء التقليدية، يجب أن نسأل: هل يمكن أن تصبح هذه المصادر جزءاً من مائدة الطعام؟
كثير مما نطلق عليه «ديداناً» في الطعام ليس ديدانًا فعلية، وإنما يرقات حشرات. مثلاً، دودة الموباني، التي تؤكل في زامبيا وزيمبابوي وأجزاء من جنوب القارة الأفريقية، تُعد طبقاً معروفاً. كما تدخل يرقات دودة القز في مطابخ آسيوية، خصوصاً في الصين وكوريا. ودودة الساغو، الشائعة في مناطق من جنوب شرق آسيا، تُؤكل مشوية أو مقلية أو نيئة في بعض الثقافات.كلمة «دودة» وحدها تكفي لإغلاق الشهية عند كثيرين. لكن على مستوى العالم، تقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» إن الحشرات تكمل غذاء نحو ملياري شخص، وإن أكل الحشرات يمارس في دول عديدة، خصوصاً في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. أي أن ما يبدو لنا صادماً قد يكون مألوفاً تماماً على موائد أخرى.بروتين صغيريبحث العالم عن بروتين أقل تكلفة على الأرض والماء والمناخ، خصوصاً مع الأوضاع المناخية الراهنة، وهنا تدخل الحشرات واليرقات إلى النقاش. فوفق «الفاو»، تحتوي الحشرات الصالحة للأكل على بروتين عالي الجودة، وفيتامينات وأحماض أمينية، وتحتاج موارد أقل بكثير من المواشي التقليدية.لإنتاج الكمية نفسها من البروتين، تحتاج الصراصير إلى علف أقل بنحو 6 مرات من الأبقار، و4 مرات أقل من الأغنام، ومرتين أقل من الخنازير والدجاج، كما أن تربية الحشرات تنتج عادة غازات أقل، ويمكن أن تعتمد على مخلفات عضوية بدل تحويل مزيد من الأراضي إلى علف.سوق ينموحتى السوق بدأ يلتقط الفكرة، فتقدر «غراند فيو ريسيرش» أن سوق الحشرات الصالحة للأكل بلغ نحو 1.4 مليار دولار في 2024، وقد يصل إلى 4.4 مليارات دولار بحلول 2030، مع نمو سنوي متوقع يبلغ 25.1%. وتذهب تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى، فـ«ستراتيجيك ماركت ريسيرش» تضع السوق عند 3.6 مليارات دولار في 2024، وتتوقع بلوغه 9.2 مليارات دولار في 2030. ولا يعد اختلاف الأرقام بين الشركات شيء غير طبيعي، لأن السوق ما زال جديداً ويتوزع بين منتجات مباشرة، ومساحيق بروتين، وأعلاف للحيوانات، ومكملات غذائية.وبدأ الاتحاد الأوروبي بدأ منذ 2021 بالسماح بطرح بعض الحشرات كأغذية بعد تقييمات علمية للسلامة، مثل دودة الوجبة الصفراء، والجراد المهاجر، والصراصير المنزلية. فنلاحظ هنا تنظيم قوانين الغذاء بما يتناسب مع التغيرات المجتمعية والغذائية.حاجز نفسيمع ذلك، تبقى المشكلة الكبرى في الرأس قبل المعدة. فالطعام عبارة عن ذاكرة، وعائلة، ودين، وطبقة اجتماعية، وطفولة، وما نعتبره مقبولًا أو لا يأتي من التربية والثقافة. ففي مجتمعات تقليدية كثيرة، تؤكل الحشرات منذ قرون، وفي مجتمعات أخرى، صورة الحشرة مرتبطة بالقذارة والمرض والمطبخ غير النظيف.لذلك، تحاول شركات كثيرة تغيير الشكل لا الفكرة، فبدل تقديم الحشرة كاملة، تطحنها إلى مسحوق يدخل في ألواح البروتين أو الدقيق أو الوجبات الخفيفة، فعندما تختفي الأرجل والأجنحة من الصورة، يصبح القبول أسهل ولا يختلف الأمر كثيراً عن أطعمة أخرى احتاجت سنوات لتنتقل من الغرابة إلى الاعتياد.لكن تحويل اليرقات والحشرات إلى طعام لا يعني أن أي شيء يزحف يمكن وضعه في المقلاة، فالسلامة مهمة. تقرير «إن بي آر» يوضح أن تناول ديدان الأرض مثلاً يحتاج إلى مصدر مخصص للاستهلاك البشري، لأن ما تأكله في التربة قد يحمل مواد ضارة. لذلك يجب أن تأتي هذه المنتجات من مزارع مرخصة ومراقبة، لا من الحديقة المنزلية.الفاو: مليارا شخص يتناولون الحشرات.. وسوق أطعمة اليرقات يتجه نحو 4.4 مليارات دولار
مدار الساعة ـ











