مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الأردن بين ضغوط الجغرافيا السياسية ومتطلبات الأمن الوطني


نضال الثبيتات العمرو

الأردن بين ضغوط الجغرافيا السياسية ومتطلبات الأمن الوطني

مدار الساعة ـ

لم يعد الأمن الوطني الأردني في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين مجرد مسألة ترتبط بحماية الحدود الجغرافية أو التعامل مع التهديدات العسكرية التقليدية فحسب؛ بل تحول اليوم إلى معادلة شديدة التعقيد تتداخل فيها الجغرافيا السياسية مع حسابات الاقتصاد والدبلوماسية والاستقرار الداخلي؛ لا سيما مع تصاعد وتيرة المواجهة الأميركية–الإيرانية الأخيرة، والتي وضعت المملكة مجدداً في عين العاصفة الإقليمية؛ حيث تجد عمّان نفسها مطالبة بالحفاظ على ثوابتها الاستراتيجية وتجنيب البلاد الانزلاق إلى صراعات مسلحة لم تكن طرفاً في إشعالها؛ وإن خصوصية الحالة الأردنية لا تنبع من مساحة الدولة أو حجم قدراتها العسكرية الذاتية؛ وإنما تكمن في تموضعها الجيوسياسي الفريد وسط إقليم ملتهب يضم فلسطين المحتلة وسوريا والعراق والسعودية؛ مما جعلها تاريخياً ممراً لخطوط الاتصال الحيوية ونقطة ارتكاز للقوى الدولية؛ غير أن هذا الموقع نفسه بات يفرض عليها ضريبة باهظة من التبعات الأمنية والسياسية كلما اشتعلت أزمة في الجوار؛ وهو ما أثبتته التطورات الأخيرة التي أكدت أن خيار تحييد النفس أو النأي المستمر لم يعد درعاً كافياً في مواجهة أخطار عابرة للحدود؛ تتنوع ما بين الصواريخ البالستية، والطائرات المسيّرة، والحروب السيبرانية، والضغوط الاقتصادية المباشرة؛ الأمر الذي دفع عمّان لتأكيد موقفها الصارم مراراً وتكراراً بأنها لن تسمح بتحويل أراضيها أو أجوائها إلى منطلق لعمليات هجومية ضد أي طرف؛ معتبرة حماية سيادتها أمراً سيادياً مطلقاً وغير قابل للمساومة أو التفاوض.

هذا الواقع المتسارع فرض تحولاً جوهرياً في العقلية الأمنية الأردنية؛ حيث انتقلت الدولة من مربع الاستعداد لمواجهة مخاطر محتملة ومؤقتة إلى مرحلة الإدارة اليومية لمخاطر مستمرة ومستدامة؛ إذ لم يعد التصعيد الإقليمي حدثاً عابراً ينتهي بانتهاء مسبباته؛ بل تحول إلى بيئة أمنية مفروضة تتطلب يقظة دائمة وجاهزية قصوى؛ مما حتم على المؤسسة العسكرية والأمنية تبني مفهوم الردع الدفاعي القائم على حماية الأجواء والحدود بكفاءة عالية دون الانجرار إلى أعمال هجومية قد تؤدي لتوسيع رقعة الصراع؛ وفي موازاة ذلك؛ تدرك مراكز صنع القرار في عمان أن منعة الأمن الوطني لا تُقاس فقط بعدد التشكيلات العسكرية أو حداثة المنظومات الدفاعية؛ بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى تماسك الجبهة الداخلية وقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود؛ فالاضطرابات الإقليمية تستنزف موارد الدول غير المشاركة في الحروب بشكل غير مباشر؛ وذلك من خلال الارتفاع الحاد في كلف الطاقة والنقل والتأمين؛ فضلاً عن شلل حركات التجارة البينية وتراجع الاستثمارات الخارجية؛ مما يجعل من ملف الأمن الاقتصادي وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين ركيزة لا تنفصل عن منظومة الدفاع العسكري والأمني للدولة.

أما على الساحة الدبلوماسية؛ فإن الأردن ما زال يستثمر بقوة في سياسة التوازن العاقل؛ محتفظاً بتحالفاته الاستراتيجية والتقليدية الوثيقة مع الولايات المتحدة والشركاء الغربيين؛ ومحافظاً في الوقت ذاته على خطوط اتصال مفتوحة ونشطة مع مختلف القوى الإقليمية؛ انطلاقاً من رؤية ملكية راسخة تؤمن بأن الحلول العسكرية وحدها لا يمكن أن تصنع استقراراً مستداماً في الشرق الأوسط؛ على الرغم من أن هامش هذه المناورة السياسية يضيق يوماً بعد يوم مع اتساع جبهات القتال وتعامي الأطراف المتصارعة عن سيادة الدول الواقعة في نطاق حساباتها الميدانية؛ ونتيجة لتشابه التهديدات الراهنة؛ فقد اكتسب التنسيق الأردني مع دول مجلس التعاون الخليجي أبعاداً استراتيجية حيوية تجاوزت الأطر التعاونية التقليدية؛ لتشمل بناء تفاهمات مشتركة حول أمن الطاقة، وسلامة الممرات المائية، ومواجهة الهجمات السيبرانية والصاروخية؛ مما جعل من إيجاد منظومة إقليمية متكاملة لتبادل المعلومات والإنذار المبكر ضرورة ملحة تفرضها ظروف البقاء وليس مجرد خيار سياسي ترفي؛ في المقابل؛ تصطدم هذه الرؤية العربية بالقراءة الإيرانية للمشهد؛ إذ تنظر طهران إلى تمدد نفوذها الإقليمي كأداة ردع أساسية لحماية أمنها القومي؛ بينما ترى العواصم العربية في هذا التمدد وسيلة لتفكيك أمن المنطقة وزيادة احتمالات الصدام الشامل؛ وهو تباين جوهري يجعل أي تسوية حقيقية مستقبلاً مشروطة بإعادة صياغة كاملة لقواعد الأمن الإقليمي الشامل وليس بتهدئات مؤقتة في جبهات منفصلة.

ومع استمرار فصول المواجهة الأميركية–الإيرانية المحتدمة خلال شهر يوليو الحالي؛ تزايدت الضغوط الأمنية الملقاة على عاتق المملكة بشكل ملحوظ وعنيف؛ وتجسد ذلك ميدانياً في الساعات القليلة الماضية باستهداف مباشر لمدينة العقبة الجنوبية بواسطة أربعة صواريخ باليستية أطلقت من إيران؛ حيث نجحت الدفاعات الجوية الأردنية في اعتراض وإسقاط ثلاثة منها ببراعة فائقة؛ بينما سقط الرابع في منطقة صحراوية نائية دون تسجيل أي خسائر بشرية أو مادية؛ وتزامن هذا الخرق مع انطلاق صفارات الإنذار في العاصمة عمّان ومحافظات أخرى كإجراء احترازي لتأمين السكان؛ ورغم ادعاءات الحرس الثوري الإيراني بأنه أصاب طائرات نقل عسكرية أمريكية من طرازي (C-17) و(P-8) في مطار العقبة واستهدف منشآت بقاعدة موفق السلطي الجوية بالأزرق؛ فإن القيادة المركزية الأمريكية والجهات الرسمية الأردنية نفو تلك المزاعم جملة وتفصيلاً واصفين إياها بالدعاية الإعلامية؛ كما سارعت الحكومة الأردنية لنفي الشائعات المتعلقة بإخلاء مطار العقبة ومينائها؛ مؤكدة استمرار حركة الملاحة والعمل بشكل طبيعي وآمن؛ ويأتي هذا التصعيد الأخير، الذي يمثل الموجة الحادية والعشرين ضمن ما يسمى عملية نصر 2 الفارسية الممتدة لعدة دول خليجية وعربية؛ كرد فعل على الضربات الجوية المكثفة لليلة العاشرة على التوالي التي تشنها واشنطن لتفكيك قدرات طهران في مضيق هرمز بعد انهيار التفاهمات الباكستانية؛ مما يضع نظرية الأمن الوطني الأردني أمام اختبار ميداني صارم ومباشر لإثبات فاعلية منظومات الدفاع الجوي وجدية الموقف السيادي المعلن من قِبل عمّان.

إن هذه الأحداث المتلاحقة تبرهن على أن المعادلة الحقيقية التي تواجه الأردن اليوم لا تنحصر في خياري الحرب أو السلام؛ بل تتمحور حول كيفية إدارة المخاطر المعقدة وتقليل الخسائر الاستراتيجية إلى حدها الأدنى؛ مستنداً في ذلك إلى خبرات تراكمية عميقة في عبور الأزمات وتوظيف الدبلوماسية الوقائية إلى جانب الجاهزية العسكرية الصارمة؛ ولهذا فمن المرجح أن تحافظ عمّان على هذه المقاربة المتوازنة خلال الفترات القادمة؛ لتجنب الكلفة الباهظة والخطيرة لأي انحياز أعمى لأحد محاور الصراع؛ واضعة نصب أعينها حماية الذات وتحصين الجبهة الداخلية وتعميق العمل المشترك مع الأشقاء والأصدقاء؛ ليبقى التحدي الأبرز ليس في تجنب التأثر بالزلازل الإقليمية بل في كيفية امتصاص صدماتها؛ طالما أن الجغرافيا حتمية لا تتغير؛ لكن إدارتها بواقعية سياسية صلبة ومؤسسات وطنية راسخة تظل هي الضمانة الوحيدة لحفظ الكيان واستقرار الوطن.

مدار الساعة ـ