مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الريشة.. من حقل غاز إلى مدينة تعدينية متكاملة


د. خير أبوصعيليك

الريشة.. من حقل غاز إلى مدينة تعدينية متكاملة

مدار الساعة ـ

تختزن الريشة التي تقع ضمن حدود محافظة المفرق شمال شرقي المملكة إمكانات جيولوجية ومعدنية ضخمة، تؤهلها لأن تصبح إحدى أهم مراكز الصناعات التعدينية والتحويلية في الإقليم، فقد أظهرت العديد من الدراسات المسحية وجود العديد من المعادن والثروات الطبيعية، وذلك منذ أن اكتشفت سلطة المصادر الطبيعة وجود الغاز الطبيعي في هذا الحقل عام 1985.

فقد أكدت المسوحات المتتالية وجود المعادن النادرة، وكذلك كميات كبيرة من الفوسفات الصخري في هذه المنطقة وبنقاوة عالية تصلح لإقامة وإنشاء الصناعات المرتبطة بالأحماض الفسفورية على أسس تجارية. وتجدر الإشارة إلى أن شركة البترول الوطنية تمتلك حق الامتياز لحقل الريشة لإنتاج الغاز، حيث يساهم إنتاج الحقل حاليا في 15 % من إجمالي الاستهلاك المحلي للمملكة، إضافة إلى إنتاج الغاز الطبيعي -الميثان- المضغوط (CNG) والذي يستخدم كوقود نظيف واقتصادي من قبل القطاع الصناعي.

فكرة إنشاء المدينة التعدينية.. لماذا؟

بالنظر إلى ما تمتلكه منطقة الريشة من احتياطات للغاز الطبيعي وموقع جغرافي متميز فإن فكرة إنشاء المدينة التعدينية تحمل مؤهلات إستراتيجية وطنية تستهدف نقل الريشة من مجرد حقل لاستخراج الموارد الطبيعية إلى مجمع صناعي متكامل يستند إلى تعظيم القيمة المضافة وتوطين الصناعات التحويلية، انسجاما مع رؤية التحديث الاقتصادي. ومن المفيد الإشارة إلى أن منطقة الريشة تقابل منطقة وعد الشمال شمال شرق مدينة طريف السعودية، والتي تعد مدينة تعدينية متكاملة، وصل حجم الاستثمارات فيها إلى نحو 85 مليار ريال سعودي تتمثل في إنتاج حامض الفوسفوريك والعديد من الأملاح إضافة إلى نمو الصناعات التحويلية كمجمع الزجاج، والألمنيوم والسيلكون وأنابيب البلاستيك وعدد من الصناعات البتروكيماوية.

الريشة.. تحويل الثروة إلى قيمة مضافة

في مقدمة المحركات الداعمة لهذه الفكرة هو توفر الطاقة في موقع المدينة من خلال الغاز الطبيعي مما يقلل كلف الإنتاج في ظل اعتماد الصناعات التعدينية على الطاقة بشكل أساسي، وتعمل شركة البترول الوطنية – صاحبة الامتياز- على حفر آبار جديدة تستهدف رفع الإنتاج إلى 418 مليون قدم مكعب بحلول العام 2030.

كما أن توفر الفوسفات والذي تم اكتشافه في المنطقة عام 2008 يعطي بعدا مهما لهذه الفكره حيث قدر الاحتياطي الجيولوجي الأولي بنحو 700 مليون طن من النوع P205 عالي الجودة ومتوسط الجودة. إضافة إلى توفر عناصر نادرة مثل اليوتيريوم، ومن المهم الإشارة إلى توجه الحكومة بعدم السماح بتصدير الإنتاج من الفوسفات في منطقة الريشة على شكل خام بهدف استغلاله في الصناعات التحويلية والكيماوية في المناطق التي تتواجد فيها الخامات لتعظيم القيمة المضافة من هذا المشروع الوطني، والتوسع في فرص العمل بما يسهم في تحقيق جهود التنمية المستدامة.

تحتاج صناعة الأسمدة بشكل أساسي إلى ثلاثة عناصر أساسية وهي الفوسفور (P) والذي يتوفر في خامات الفوسفات والعنصر الثاني هو النيتروجين (N) والمتوفر في الغاز الطبيعي، أما العنصر الثالث فهو البوتاسيوم (K) والذي يتوفر في خامات البوتاس وجميع هذه العناصر موجودة في المنطقة المقصودة، الأمر الذي يتيح إقامة سلسلة إنتاج متكاملة للأسمدة بدلا من الاكتفاء بإنتاج المواد الخام، وهو ما يضاغف القيمة المضافة والعائد الاقتصادي، حيث يمنح هذا التكامل ميزة تنافسية نادرة تعزز تنويع قاعدة الإنتاج. إضافة إلى أن الموقع اللوجستي لمنطقة الريشة يتيح آفاق للتكامل الإقليمي وسهولة الوصول إلى الأسواق الإقليمية والعاليمة، ولا تخفى أهمية هذه المشاريع الكبرى في تعزيز التنمية المحلية بعيدا عن مراكز المدن وتخفيف البطالة.

ما المطلوب؟

تعد البنية التحتية عامل الجذب الأساسي وخاصة النقل اللوجستي والذي يمكن تطويره وفق مخطط شمولي Master Plan يحدد الرؤية الإستراتيجية لتطوير المنطقة بناء على نموذج عمل مرن وعصري إضافة إلى اجتراح حلول مائية مبتكرة، مما يتطلب تفعيلا حقيقيا لقانون مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وهذا يتطلب التركيز على التسويق المتخصص للفرص الاستثمارية في قطاع الصناعات التحويلية مثل الأسمدة والزجاج والتي تعتمد بشكل أساسي على استغلال الخامات المعدنية المتوفرة في المنطقة. ومن المهم توضيح الحوافز الواردة في قانون البيئة الاستثمارية باعتبار أن هذه مشاريع إسترايجية تحقق النفع العام على مستوى الاقتصاد الكلي.

إن مقترح المدينة التعدينية ليس مشروعا اقتصاديا تقليديا بل هو ضرورة سيادية لتعزيز الأمن الصناعي والاقتصادي للبلاد. وكما نجحت المملكة العربية السعودية في تحويل وعد الشمال إلى منظومة صناعية عبر نموذج المجمعات الصناعية المتكاملة، فإن الريشة تمتلك المزايا الجيولوجية واللوجستية التي تؤهلها لمحاكاة هذا النجاح وتوطين سلسلة القيمة المضافة، مما يستوجب تشكيل فريق عمل مختص من الحكومة والخبراء وشركتي الفوسفات والبوتاس وشركات الغاز لوضع خريطة طريق تستهدف تحويل الموارد الطبيعية إلى قاطرة للتنمية والإنتاج والعمل.

مدار الساعة ـ