مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

الجيش يعني الضمير


عبدالهادي راجي المجالي
abdelhadi18@yahoo.com

الجيش يعني الضمير

مدار الساعة ـ

في الأردن المؤسسة الوحيدة ألآن التي لا تتدخل في صخب مواقع التواصل الإجتماعي، ولا تكتب.. ولا تدخل في حرب الفضائح والفساد ، ولا مشاحنات نيابية وقضايا ..هي مؤسسة الجيش.

تحط التقارير صباحا على مكتب رئيس هيئة الأركان ، من قيادة الدفاع الجوي.. وثمة أوامر تصدر وتفصيلات دقيقة عن حجم الذخيرة التي استعملت ، وكيف تم رصد الصواريخ وكيف تم تأمين المنطقة.

وهناك شباب في اخر العشرين من العمر ، جاءوا من قرى البلد... من وهج (الطوابين) لامن قصور عبدون ، من أسرة المحراث التي وصفها محمود درويش وقال عنها أن الأب في هذه الأسرة : كان يعلمهم شروق الشمس قبل قراءة الكتب... جاءوا من القرى التي يغمرها الإيمان والصلاح، يمتطون في أول الليل طائرات (الإف 16) ويشتبكون مع الطائرات المسيرة.. ويتتبعون الصواريخ ومساراتها ... أي خطأ في التقدير قد يؤدي إلى الشهادة ، ومتابعة الطائرة المسيرة تحتاج لتحديد الموقع وتحديد السرعة ، وتحديد الذخيرة المناسبة للإشتباك ..لا مجال للخطأ في الحسابات ، عليك معرفة الإتجاه ومن أين جاءت.

هؤلاء فتينا (زينة عيالنا) ...لحظة الإنطلاق في الإف (16) يلتصق الظهر بالمقعد ، وتتسلل رائحة الوقود لأنفك ، وعليك أن تحسب المسافة بينك وبين زميلك على المدرج ، عليك أن تتبع تعليمات البرج وأوامر قائد السرب ...ثم يصعدون السحب ، يقاتلون دفاعا عن الضمير والشرف والسيادة ...وعليهم العودة بطائرة سالمة تماما ، وبحسابات دقيقة ولايوجد مجال لذخيرة أطلقت ولم تصب الهدف ...إن الأردن وريدك يا فتى فحافظ علة الدم متدفقا فيه .

الطيارون الذين يقاتلون في قاعدة موفق السلطي ، وقوى الدفاع الجوي منذ أسبوع لم يناموا ... هؤلاء لا يعرفون (الفيس بوك) وحجم الجدل عليه ، هؤلاء وظيفتهم تتبع الصواريخ، وإن تسللت بعض الصواريخ وتجاوزت الدفاعات ، قد تؤسس لنزف وخراب.... لذلك لا مجال لتسللها ، هؤلاء ربما يسرقون من الوقت دقائق لمهاتفة الوالدة وطمأنتها، ربما يسرقون نصف دقيقة للإطمئنان على محمود الفتى الأصغر في العائلة ، وماذا فعل باخر امتحان توجيهي ....

بعضهم منذ (6) ساعات لم تغادر عيونه شاشة الرادار، وبعضهم يتأهب لكي يبلغ السرب الذي وقف على المدرج ، باتجاهات مسيرات عبرت الحدود .... بعضهم ارتدى الخوذة منذ ساعتين وال(اف 16) تنتظر الأمر لكي تنطلق ، وقد سلحت بصواريخ موجهة ، وبعتاد مخصص للمسيرات ...هذا الذي يتتبع المسيرة في سماء المملكة ، ويستنشق الأكسجين من الطائرة ، ويحاول أن يحاصرها قبل أن تدخل مكانا مكتظا .. ويحاول أن يوائم بين سرعتها وسرعة (الإف 16) كي تكون الإصابة دقيقة ، هذا الذي يقاتل والموت يحيط به من كل حدب ويتحدى المنايا .. هذا ليس مثل السادة النجب الذين يجلسون في كراسي الوزارات الفخمة ، وهذا الفتى الحر ليس مثل الذين يتبارزون على الفيس بوك حول (حمامات جواد العناني) هذا لايهمه ما يكتب هنا ولا ما يكتب هناك، لا تهمه حروب الردة .. ولا حروب الفيس بوك ، ولا احتفالات القنوات الطموحة بأعياد ميلادها ، هذا لايهمه تصريحات وزير الإعلام .. ولا تهمه الجاهات أو العطوات التي يتسيدها كبار رجال الدولة ... عفوا هل قلت كبار رجال الدولة؟ أنت الكبير يا فتى وكلنا صغار أمامك...

هذه يهمه أن يصطاد المسيرة ، وفي لحظة الهبوط عليه أن يختار سرعة الطائرة وينسق الإرتفاع مع البرج ، لأن أي هفوة قد تؤدي إلى كارثة.... عليه أن يعود بنصف الوقود ، عليه أن يقيم الرحلة ...وإياك أن تستحم أو تنم ، الجو ملبد بالصواريخ يافتى والمعركة ابتدأت للتو .

هؤلاء هم الأردنيون، هؤلاء الذي يصلون الليل بالنهار في قاعدة موفق السلطي ، وعلى حدودنا الشرقية ، هؤلاء هم الوطن هم الشوامخ والضمير والهوية ..هؤلاء الذي يتوقعون الموت في أي لحظة ويحاصرونه قبل أن يحاصرهم .

الذين الان يعززون وجودهم على المنطقة الشرقية من حرس الحدود، والذين لديهم تفاصيل الإشتباك وقواعده ، الذين يرتدون (الكتان) والواقيات على صدورهم تحت الشمس اللاهبة ..ويؤمنون حدودنا ، ويقسمون أن الموت دونها ..هؤلاء هم رصيدنا الحقيقي .

عمان غارقة في حروب (الفيس بوك) ، في حين أن فتيتنا أبناء الجيش وسط النار والصواريخ واللهيب ، وهناك فارق بين حروب الثرثرة وحروب الصواريخ والمسيرات ...

أما ان لنا أن نصحو قليلا ...أن نقول كلمة بحق نسور سلاح الجو ، بحق فتية الدفاع الجوي ..بحق أسود الأرض التي تكافح الشر والجنون والشعوذة ...بحق جيشنا العظيم الكبير..

منذ العام (68) لم يتعرض الأردن لهذا الزخم من النار ، أما من راشد عاقل يلتقط مايحدث ...

كان الأولى بأجهزتنا الإعلامية أن تنتبه وتشحن الشعب ، إيران تحتاج لمقاومة شعبية مثلما تحتاج لرد عسكري ..ولكن للأسف الدولة كلها كانت مشغولة بإطفاء الشمعة الثامنة من عيد ميلاد قناة المملكة ....كيف كان طعم الكعكة ياترى ؟

إني لأبكي ، لأقطر دما مع دمعي .... على الحال الذي وصلنا له.

مدار الساعة ـ