مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة الموقف جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين رياضة اخبار خفيفة ثقافة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لماذا لم أنضم إلى أي حزب… حتى اليوم؟


المهندس إبراهيم أحمد العموش

لماذا لم أنضم إلى أي حزب… حتى اليوم؟

مدار الساعة ـ

منذ انطلاق مشروع التحديث السياسي في الأردن، يتكرر عليّ سؤال واحد في كل لقاء أو نقاش: “لماذا لم تنضم إلى أي حزب سياسي حتى الآن؟”

وربما يفسر البعض عدم انضمامي إلى أي حزب على أنه عدم اقتناع بالحياة الحزبية أو تحفظ على مشروع التحديث السياسي، وهذا استنتاج غير صحيح.

أكتب هذه الكلمات بصفتي مختصاً في التنمية والتمكين الاقتصادي، لا بصفتي محللاً سياسياً أو معارضاً أو مؤيداً لحزب بعينه. فما سأطرحه هو وجهة نظر شخصية تشكلت من خلال تجربتي المهنية، وإيماني بأن بناء الأوطان يبدأ من احترام التخصص، وأن نجاح السياسة يقاس بقدرتها على تحقيق التنمية وتحسين حياة الناس.

أنا مؤمن بأن مشروع التحديث السياسي الذي يقوده جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يمثل محطة وطنية مهمة في مسيرة الدولة الأردنية، وأن وجود أحزاب سياسية قوية وفاعلة يشكل ركناً أساسياً في بناء دولة المؤسسات وترسيخ المشاركة السياسية. ولذلك فإن عدم انضمامي إلى أي حزب لا يعني رفض الفكرة، بل على العكس، أنا من الداعمين لنجاح هذا المشروع الوطني، وأتمنى أن يحقق أهدافه في بناء حياة سياسية أكثر نضجاً وتأثيراً.

لكنني في الوقت نفسه أؤمن بأن الانتماء لأي حزب يجب أن يكون نابعاً من قناعة حقيقية ببرنامجه ورؤيته، لا لمجرد الانضمام أو مسايرة المرحلة.

طوال ما يزيد على خمسة عشر عاماً، كانت رحلتي المهنية في ميادين التنمية والتمكين الاقتصادي، وإدارة المشاريع، والعمل مع المجتمعات المحلية، وتصميم المبادرات التنموية، وبناء الشراكات بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات المجتمع المدني. لم أكن يوماً ناشطاً سياسياً، ولم تكن لدي طموحات انتخابية أو رغبة في الوصول إلى أي موقع سياسي أو تنفيذي من خلال العمل الحزبي، لأنني أؤمن بأن الإنسان يحقق أفضل ما لديه عندما يعمل في المجال الذي يمتلك فيه الخبرة والمعرفة.

وأنا من المؤمنين بأن التخصص هو أساس النجاح.

فكما لا يمكن أن نطلب من الطبيب أن يصمم جسراً، أو من المهندس أن يجري عملية جراحية، فإن العمل السياسي أيضاً يحتاج إلى تخصص وخبرة، وإلى فرق عمل متكاملة تجمع الاقتصادي، والمهندس، والطبيب، والأكاديمي، ورجل الأعمال، والمزارع، والشباب، والمرأة، ليقدم كل منهم ما يجيده في خدمة الوطن.

ومن هذا المنطلق، كنت أبحث، وما زلت، عن حزب يمتلك مشروعاً تنموياً واضحاً، يجعل الاقتصاد والتنمية في قلب برنامجه السياسي، ويقدم حلولاً عملية لقضايا البطالة، والفقر، والاستثمار، وريادة الأعمال، والتنمية المحلية، وتمكين الشباب، وتحسين الخدمات، وتعزيز الإنتاج الوطني.

وللأسف، وحتى هذه اللحظة، لم أجد الحزب الذي يقنعني بأن التنمية ليست مجرد عنوان في برنامجه، بل مشروع عمل حقيقي يقاس بالأثر والنتائج.

ولا أقول إن هذا ينطبق على جميع الأحزاب، فالتعميم ليس من الإنصاف، لكن ما يلاحظه كثير من المتابعين أن التركيز في جزء كبير من المشهد الحزبي لا يزال منصباً على المنافسة للوصول إلى السلطة التشريعية أو التنفيذية أكثر من التركيز على بناء برامج وطنية متخصصة قادرة على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن.

ومن الطبيعي أن يكون لدى أي شخص طموح لأن يصبح نائباً أو وزيراً، فهذا حق مشروع يكفله الدستور، لكن السؤال الذي أطرحه دائماً هو:

هل الحزب وسيلة لخدمة الوطن، أم أصبح عند البعض وسيلة للوصول إلى المنصب؟

فعندما يصبح الانتماء للحزب مرتبطاً بالطموح الشخصي أكثر من ارتباطه بالإيمان بالمشروع الوطني، فإن الحزب يفقد جزءاً من رسالته، ويصبح الولاء للطموح لا للفكرة.

أما أنا، فلدي قناعة مختلفة.

أرى أن الولاء والانتماء الحقيقي للوطن والقيادة لا يبدأ من بطاقة عضوية حزبية، ولا يقاس بالشعارات أو الخطابات، بل يبدأ من السلوك اليومي والعمل والإنجاز.

أن تحافظ على الممتلكات العامة.

أن تحترم القانون.

أن تلتزم بقواعد السير.

أن لا تلقي النفايات من نافذة سيارتك.

أن تتقن عملك.

أن تساعد في خلق فرصة عمل لشاب.

أن تطلق مبادرة تخدم مجتمعك.

أن تقدم فكرة تخفف العبء عن الدولة أو تحسن مستوى الخدمات.

هذه، بالنسبة لي، هي المواطنة الصالحة، وهي أصدق صور الولاء والانتماء. فالانتماء الحقيقي لا يثبت بالكلام، وإنما بالفعل، ولا بالشعارات، وإنما بالأثر الذي يتركه الإنسان في مجتمعه ووطنه.

ولهذا لم أنضم إلى أي حزب حتى اليوم، ليس لأنني ضد الأحزاب، بل لأنني لم أجد الحزب الذي أستطيع أن أوظف فيه خبرتي المتواضعة في التنمية، وأن أكون جزءاً من مشروع يقاس نجاحه بعدد فرص العمل التي يخلقها، وعدد المبادرات التي ينفذها، وحجم الاستثمار الذي يجذبه، والأثر الذي يحققه في حياة الناس، وليس فقط بعدد المقاعد التي يفوز بها.

وأعتقد أن نجاح مشروع التحديث السياسي في الأردن لن يقاس بعدد الأحزاب التي يتم تأسيسها، ولا بعدد المنتسبين إليها، ولا حتى بعدد المقاعد التي تحصل عليها في مجلس النواب، وإنما سيقاس بقدرة هذه الأحزاب على تحويل السياسة إلى تنمية، والرؤى إلى مشاريع، والبرامج إلى نتائج، والاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر.

فالمواطن الأردني، في نهاية المطاف، لا يبحث عن خطاب سياسي جميل بقدر ما يبحث عن فرصة عمل، وتعليم أفضل، وخدمات أكثر كفاءة، واقتصاد قوي يوفر له حياة كريمة. وإذا لم تستطع الأحزاب أن تقدم حلولاً حقيقية لهذه التحديات، فسيبقى من الصعب عليها أن تكسب ثقة الناس مهما كان خطابها مؤثراً.

وأتمنى أن يأتي اليوم الذي تتحول فيه الأحزاب إلى بيوت خبرة وطنية، لا تقتصر وظيفتها على خوض الانتخابات، بل تساهم في إنتاج السياسات العامة، وتقديم الدراسات، وابتكار الحلول، واحتضان أصحاب الكفاءات في مختلف التخصصات، لتكون شريكاً حقيقياً في صناعة التنمية.

وعندما أجد حزباً يؤمن بأن التنمية الاقتصادية هي أساس الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويحترم التخصص، ويستثمر في الكفاءات، ويقيس نجاحه بالأثر الذي يحدثه في حياة المواطنين، لا بعدد البيانات أو المقاعد، فسأكون من أوائل الداعمين له، وربما من أوائل المنتمين إليه.

لأنني لا أبحث عن حزب يمنحني موقعاً، بل أبحث عن مشروع وطني أستطيع أن أضيف إليه.

وفي النهاية، أؤمن أن الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الجدل حول السياسة بقدر ما يحتاج إلى أن تلتقي السياسة بالتنمية، وأن يصبح العمل الحزبي أداة لبناء الاقتصاد، وتمكين الشباب، وتحسين جودة الحياة، وتعزيز ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها.

فالسياسة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما وسيلة لخدمة المواطن ، والتنمية ليست ملفاً جانبياً في العمل الحزبي، بل هي جوهر نجاحه. وعندما يلتقي الفكر السياسي مع الإنجاز التنموي، يكون الوطن هو الرابح الأكبر.

مدار الساعة ـ