مونديال 2026 أخبار الأردن اقتصاديات دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

بين رجال الدولة.. وموظفي الشهرة


المحامي الدكتور يزن دخل الله حدادين

بين رجال الدولة.. وموظفي الشهرة

مدار الساعة ـ

في كل مرة يخرج فيها أحدهم ليروي لنا حكايات عن الحمام والجمل، أو يعيد تقديم ذكرياته الشخصية وكأنها معيار لقياس تاريخ الدولة والناس، أشعر أن المشكلة لم تعد في الرواية نفسها، بل فيمن يظن أن قربه من مرحلة أو موقع يمنحه حق اختزال وطن كامل في قصة عابرة أو مقارنة مستفزة. فالدول لا تُقاس بحكايات المجالس، ولا تُختصر في تفاصيل انتقائية تُقال أمام الكاميرات، والذاكرة الوطنية أكبر من أن تتحول إلى مادة للجدل أو وسيلة لاستعادة الحضور.

كما أنه في الآونة الأخيرة بات يخرج علينا آخرون يتحدثون عن الانتماء والولاء ويروون قصصاً عن رجال الدولة الذين ساهموا بصناعة تاريخ الأردن وكأنهم كانوا شهوداً على تلك المراحل أو جزءاً منها.

يستحضرون أسماءً كبيرة ويكررون مواقف خالدة ويقدمون أنفسهم أوصياء على ذاكرة الوطن. لكن الحقيقة التي لا بد أن تُقال هي أن رواية البطولة ليست بطولة واستحضار الأمجاد ليس مجداً.

هناك فرق كبير بين من عاش الفكرة في قلبه ووجدانه ومن يقتات عليها. بين من دفع ثمن موقفه ومن يكتفي بسرد المواقف أمام الكاميرات أو على منصات التواصل الاجتماعي. وبين من حمل الوطن على كتفيه عندما كانت التضحيات تُدفع من الدم والعرق ومن يحمل اليوم هاتفاً ذكياً يبحث به عن مزيد من المشاهدات والإعجابات.

عندما نذكر رجالاً مثل وصفي التل، وحابس المجالي، وهزاع المجالي، وغيرهم من رجالات الأردن الذين وقفوا مع الدولة والهاشميين في أصعب الظروف فإننا لا نستدعي أسماءً للتزيين ولا نبحث عن مادة إعلامية تثير التصفيق. نحن نتحدث عن رجال كانت مواقفهم تسبق كلماتهم، وكانت أفعالهم أكبر من خطاباتهم، وكان الوطن بالنسبة لهم مسؤولية وليس شعاراً، وتضحية وليست مناسبة موسمية.

هذه الأسماء لا تحتاج إلى من يعيد تسويقها. هي محفورة في وجدان الأردنيين لأنها كُتبت بالمواقف وليس بالمنشورات والمقابلات التلفزيونية. لذلك يؤلمني أن أرى من يتعامل مع تاريخ هؤلاء وكأنه منصة لبناء حضور شخصي أو وسيلة لاكتساب صفة الوطنية.

الانتماء الحقيقي لا يُقاس بعدد المرات التي تذكر فيها اسم وصفي التل ولا بعدد الصور التي تنشرها مع رموز الدولة ولا بحجم الشعارات التي ترددها. الانتماء يُختبر عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع مصلحة الوطن وعندما يكون الثمن حقيقياً لا افتراضياً وعندما يكون الصمت أكثر ربحاً لكنك تختار الموقف.

لقد أصبحنا، للأسف، نعيش زمناً يكثر فيه المنظّرون ويقل فيه الفاعلون. نسمع كثيراً عن الوطنية، ونرى أقل منها في الواقع. نقرأ خطابات طويلة عن الدولة، لكننا لا نجد بالقدر نفسه رجالاً مستعدين لتحمل مسؤولية قرار صعب أو الدفاع عن مؤسسة عندما يكون الدفاع عنها مكلفاً أو قول الحقيقة عندما يكون الجميع يبحث عن التصفيق.

ولا أقصد بهذا الحديث شخصاً بعينه، ولا أكتب رداً على أحد. ما يؤلمني هو المشهد بأكمله. يؤلمني أن تتحول بعض القيم الوطنية إلى مادة للاستهلاك الإعلامي وأن يصبح الحديث عن الرموز الوطنية أسهل بكثير من الاقتداء بهم.

الأردن لم يكن يوماً فقيراً بالرجال ولن يكون كذلك. ما زالت هذه الأرض تنجب أصحاب المواقف وما زال فيها من يعمل بصمت ويخلص دون ضجيج ويخدم الدولة دون أن ينتظر مقابلاً أو تصفيقاً. لكن المشكلة أن زمننا أصبح يمنح الأضواء لمن يجيد الحديث أكثر ممن يجيد الفعل، ويمنح الشهرة لمن يرفع صوته أكثر ممن يرفع مسؤوليته.

أخشى أن نكون قد بدأنا نخلط بين البطولة والشهرة. فالبطل لا يحتاج إلى أن يعلن بطولته ولا إلى أن يذكر الناس كل يوم بما قدمه. البطولة الحقيقية تترك أثرها في الوطن وليس في خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن تصبح الرموز التاريخية مجرد أدوات في معارك الحضور الشخصي. فالتاريخ ليس ملكاً لأحد ولا يجوز توظيفه لإضفاء الشرعية على أشخاص لم يمتحنهم الوطن بعد. الاحترام الحقيقي لأولئك الرجال يكون بالسير على نهجهم وليس بالحديث عنهم فقط وبالعمل من أجل الدولة وليس باستخدام اسمها وسيلة للظهور.

ما نحتاجه اليوم ليس مزيداً من رواة البطولات بل مزيداً من صانعيها والى رجال يؤمنون أن خدمة الدولة ليست موسماً إعلامياً بل التزاماً أخلاقياً دائماً.

سيبقى التاريخ عادلاً مهما حاول البعض إعادة كتابته بحكاية عن حمّام أو جمل أو باستدعاء أسماء وصفي التل وهزاع المجالي وحابس المجالي كلما احتاج إلى إضفاء هالة على حضوره الشخصي. فهذه القامات الوطنية لا تحتاج إلى من يروي سيرتها، بل إلى من يسير على نهجها. رجال الدولة لا يصنعهم الظهور، ولا تمنحهم الكاميرات شرعية، ولا تُقاس وطنيتهم بعدد القصص التي يروونها أو الأسماء التي يرددونها. إنما يصنعهم موقف صادق حين يكون الموقف مكلفاً، وقرار مسؤول حين يكون القرار صعباً، وتضحية لا تنتظر تصفيقاً ولا شهرة. أما الباحثون عن الأضواء، فقد ينجحون في صناعة ضجيج عابر، لكنهم لن يصنعوا تاريخاً، لأن التاريخ لا يخلّد من استثمر في الوطن ورموزه، بل يخلّد من استثمر نفسه في خدمة الوطن.

مدار الساعة ـ