مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات مغاربيات دين بنوك وشركات خليجيات اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

مَقَامَةُ جَيْشٍ هَاشِمِيِّ العَهْدِ عَرَبِيِّ المَجْدِ


جهاد المساعدة

مَقَامَةُ جَيْشٍ هَاشِمِيِّ العَهْدِ عَرَبِيِّ المَجْدِ

مدار الساعة ـ

حدّثنا لسانُ الأردن، وهو لسانٌ إذا استنطقته السيادةُ صدع، وإذا استنهضته الشدائدُ اندفع، وإذا ذكر الجيشَ العربيَّ اتسق له السجع، واستقام له الطبع، فقال:

لمّا انفلق فجرُ الخميس السادس عشر من تموز عن بياضه، وانسلّ الليل من سواده انسلَالَ الخائف من مكمنه، وسكنت المدنُ إلى سكينتها، وألقت البيوتُ رؤوسها على وسائد الطمأنينة، كانت على الثغور عيونٌ لا يثقلها سهر، وقلوبٌ لا يداخلها وهن، ورجالٌ جعلوا من يقظتهم للوطن سُورًا، ومن صمتهم في مواقعهم حضورًا.

نام الناسُ لأن رجالًا لم يناموا، واطمأنّت الدور لأن حراسها قاموا؛ فهؤلاء أغمضوا الجفون ثقةً، وأولئك فتحوها أمانةً، وبين الغمض والفتح وطنٌ محفوظ، وعهدٌ معقود، وسماءٌ لا يعبرها معتدٍ إلا عاد عنها مردودًا.

وكانت الرادارات تقلّب صحائف الفضاء، وتقرأ في سواد الليل سطور الخفاء، حتى لاح في البعيد طارقٌ لا يحمل بُشرى، ونارٌ لا تعرف للسلام معنى، ومسارٌ قد عقد الغدرُ لواءه، واستتر العدوانُ وراءه.

ثم أقبلت من بلاد الفرس ثمانيةُ صواريخ، امتطت ظهور اللهب، ولبست ثياب العطب، واندفعت كأنها سهامُ غدرٍ أُطلقت من كنانة غرور، أو ألسنةُ نارٍ أرادت أن تكتب فوق سماء الأردن سطور الفجور.

لا هي راعت جوارًا، ولا حفظت قرارًا، ولا فرّقت بين دارٍ وعُمّارٍ، ولا بين أرضٍ وأبرار؛ بل جاءت وفي رؤوسها حقدٌ مصبوب، وفي مسارها عقلٌ مسلوب، وفي غايتها طيشُ سلطةٍ ظنت أن الصاروخ إذا طال مداه طال معه سلطانها.

فقلت لصاحبي: ما هذه الشُّهُب التي تشقُّ صدر الفجر، وتوقظ في السماء شرر الخطر؟

قال: تلك رسائلُ حكّام طهران؛ سطّروها بالحديد، وذيّلوها بالوعيد، ثم أرسلوها إلى الأردن من غير بريد.

قلت: أما علموا أن للسماء عينًا ترقب، وللأرض جيشًا لا يرهب؟

قال: لو علموا ما رموا، ولو عقلوا ما بغوا؛ ولكن الجهل إذا تسلّح صار أحمقَ من أن يُردع، والغرور إذا امتلك صاروخًا ظنّ أن الكون له يخضع.

قلت: فما بالهم حسبوا الأردن غافلًا؟

قال: لأن من طال وقوفه أمام مرآته، صَغُر العالم في عينه، حتى يلقى من يكسر مرآته، ويردّه إلى حقيقته.

وما هي إلا لحظات حتى نهضت منظوماتُ الدفاع الجوي نهضةَ الليث إذا هُوجم عرينه، واستقبلت النار لا باضطراب الخائف، بل بثبات العارف؛ فلا عجلةٌ أفسدت الرأي، ولا رهبةٌ أخّرت السعي، ولا استعراضٌ سبق القرار، بل علم محكم، وانضباط راسخ، وإرادة إذا قالت فعلت، وإذا عقدت فصلت.

رصد الرجالُ المسار قبل أن يقترب، وأدركوا الخطر قبل أن يضطرب، ثم أحاطوا بالصواريخ إحاطة السوار بالمعصم، وضيقوا عليها الفضاء حتى صار اتساعه عليها أضيق من خرم الإبرة.

فدارت في السماء لحظةٌ فرّقت بين الحديد والإرادة، وبين الادعاء والسيادة؛ ثم انقضّ الردُّ الأردني انقضاضَ الحق على الباطل، فما بقي للصواريخ من زهوها إلا شظايا، ولا من جبروتها إلا بقايا.

سقطت الأولى، فلحقتها الثانية.

وتهاوت الثالثة، فأدركتها الرابعة.

ثم تداعت بقيتُها كأنها بنيانُ وهمٍ مسّه الحق، أو عقدُ غرورٍ انفرطت حبّاته في الهواء.

ثمانية خرجت من منصاتها مزهوة، فهوت قبل غايتها مخذولة؛ أرادها مطلقوها عناوين قوة، فإذا بها هوامش خيبة، قصدت أرض الأردن فلم تبلغ منها ترابًا، وبلغت من هيبة مرسليها خرابًا.

أرسلت بلادُ الفرس نارًا، فردّ الأردن نارها عارًا.

وأطلق حكّام طهران الحديد، فأجابهم الجيش العربي بالقول السديد والفعل الشديد.

جاءت الصواريخ تحمل أسماء مصانعها، فسقطت أمام بأس رجال الأردن.

فالتقى في تلك الساعة جمعان: جمعٌ أطلق من وراء الحدود، وجمعٌ وقف على الحدود؛ أولئك رموا عن بُعد، وهؤلاء حموا عن عهد؛ أولئك أرادوا الخطر للناس، وهؤلاء جعلوا أنفسهم دون الناس.

وما بين الإطلاق والإسقاط إلا زمنٌ قصير، لكنه كان طويلًا في الدلالة، عظيمًا في الرسالة؛ فقد كشف الفرق بين دولةٍ تجعل القوة حارسًا، وسلطةٍ تجعلها مفترسًا، وبين جيشٍ يصون الحياة، وحكمٍ يراهن على الممات.

فسلم المواطنون من إصابة، وسلمت الممتلكات من خسارة، وعادت المدن إلى صباحها كأن الليل لم يحمل إليها شرارة.

نام طفلٌ ولم يعلم أن صاروخًا كان يقصد سماءه.

وأعدّت أمٌّ فطورها ولم تعرف أن رجالًا حرسوا دارها من نارٍ لم ترها.

ومضى عاملٌ إلى عمله، وطالبٌ إلى درسه، وتاجرٌ إلى رزقه؛ لأن جنودًا وقفوا في مواقعهم، فحملوا عن الناس خوفهم، ولم يبلغهم خبر الخطر إلا بعد أن صار حطامًا.

ثم تناثرت الشظايا في مواضع شتى، فتقدمت فرقُ سلاح الهندسة الملكي تقدمَ الخبير الذي لا يجهل، والجسور الذي لا يوجل؛ فأمّنت المواقع، وأحاطت بالمخلفات، وتعاملت معها وفق الأصول الفنية والأمنية، حتى أبطلت من الحديد بأسه، ومن المكان خطره.

فقلت لصاحبي: عجبًا لهؤلاء؛ طاردوا الموت في السماء، ثم لحقوا بآثاره على الثرى!

قال: ذاك شأن جيش الأردن؛ لا تنتهي مهمته بسقوط الخطر، بل بزوال أثره، ولا يقف عند سلامة السماء، حتى يطمئن إلى سلامة الأرض ومن عليها.

قلت: فما الفرق بين الجيش وغيره؟

قال: ليس كلُّ من امتلك السلاحَ اشتدَّ بأسُه، ولا كلُّ من أطلق الصواريخَ نفذ أمرُه؛ فقد يزيد السلاحُ السفيهَ سفهًا، وتكون النارُ في يد المغرور أولَ ما يحرق هيبتَه ويكشف عجزَه.

أما الجيش العربي، فبطولته عهد مصون، ومجده فعل موزون، وشاهد مجده ميدان مأمون؛ ترويه المواقف، وتزكّيه الشدائد، ويشهد له وطنٌ بات آمنًا تحت رايةٍ عاليةٍ وحراسةٍ واعية.

هو جيشٌ إذا صمت نطق فعله، وإذا تحرك سبق قوله، وإذا ضرب لم يخطئ هدفه، وإذا حمى لم ينسَ إنسانًا خلفه.

جيشُ دولةٍ يَصونُ السِّيادة، وجيشُ عقيدةٍ يَحملُ الرِّسالة، وجيشُ شرفٍ يَرعى الأمانة؛ في يدِه السلاحُ مسؤولية، وفي نهجِه القوّةُ حماية، وفي ميدانِه الشجاعةُ انضباطٌ ودراية.

أما حكّام بلاد الفرس، فقد كثُر عندهم الحديد، وقلّ عندهم الرأي الرشيد؛ عظم الادعاء، وصغر الأداء، وطال المدى، وقصر النظر.

رموا من بعيد لأنهم لا يحسنون الاقتراب، وتحصّنوا خلف المنصات لأنهم يهابون الميدان، وأطلقوا الصاروخ ثم أطلقوا بعده البيان، كأن الكلام يمحو أثر العدوان، أو كأن البارود إذا لُفّ بعبارة لطيفة صار ريحانًا.

هيهات!

فالصاروخ إذا نطق أخرس الاعتذار.

والشظايا إذا شهدت فضحت الإنكار.

والعدوان إذا دخل السماء لم تستره بلاغة البيان ولا طلاوة اللسان.

يا حكّام طهران:

أردتم للأردن خوفًا، فأورثتموه فخرًا.

وأردتم لسمائه خرقًا، فوجدتموها درعًا.

وأردتم لصواريخكم مجدًا، فحفرتم لها في الطريق لحدًا.

أرسلتم الحديد ليُرهب، فعاد الحديد يُرثى له.

حسبتم الفجر غفلة، فإذا هو يقظة.

وحسبتم الصاروخ سلطانًا، فإذا به خادم أخرق قادكم إلى الخذلان.

خرجت صواريخكم من بلاد الفرس متعالية، وسقطت في سماء الأردن متهاوية؛ جاءت تحمل ناركم، وعادت تحمل عاركم؛ أردتم بها أن تكتبوا سطرًا في سجل القوة، فإذا بكم تكتبون صفحةً في كتاب الخيبة.

فلا جوارًا حفظتم، ولا عهدًا رعيتم، ولا هدفًا بلغتم، ولا هيبةً أبقيتم.

دقّت طبولكم قبل الإطلاق، ثم خفتت بعد الإسقاط.

ورفعتم راية الوعيد، ثم طواها الرد السديد.

وأنفقتم في الحديد، فحصدتم خزي التدبير البليد.

وبقي الجيش العربي يراقب أجواء المملكة بأعلى درجات الجاهزية، لا يخدعه هدوء، ولا يغره سكون، ولا ينام على انتصار، لأن الحارس الأمين يعلم أن الغفلة ثغرة، وأن الثغرة لا يسدها الندم.

قلت لصاحبي: وما الجاهزية؟

قال:

أن يصل البصر قبل الخطر، ويصدر القرار قبل الضرر.

أن يكون الجندي في موقعه قبل النداء، والسلاح في وعيه قبل يده.

أن يعرف المعتدي أن بين نيته وغايتها رجالًا، وبين صاروخه وأرض الأردن جيشًا لا يخطئ الحساب.

ثم دعت القوات المسلحة الأردنيين إلى استقاء الخبر من منابعه، وألا يجعلوا آذانهم ممرًا للشائعة كما أراد المعتدي أن يجعل سماءهم ممرًا للصاروخ.

فقلت: أللخطر صورتان؟

قال: نعم؛ صاروخٌ يصيب الحجر، وشائعةٌ تصيب البشر؛ ذاك يُسقطه الدفاع الجوي، وهذه يسقطها الوعي القوي.

وقد يسلم الوطنُ من صاروخٍ عابر، ويحتاج وعيُه إلى حارسٍ حاضر؛ فكما للسماء عيونٌ ترصد مسالك النار، للعقول بصيرةٌ تميّز صادق الأخبار، وبالوعي تُصان الطمأنينة، وتُغلق أمام الوهم أبوابُ المدينة.

ثم وقف لسان الأردن، وأشار إلى الراية الهاشمية، وقال:

سلامٌ على نشامى الدفاع الجوي، إذ جعلوا من الفضاء حصنًا، ومن اليقظة رمحًا، ومن الواجب عهدًا.

سلامٌ عليهم يوم رصدوا، ويوم اعترضوا، ويوم أسقطوا؛ فما اضطربت يد، ولا ترددت إرادة، ولا سبق الخوفُ القرار.

وسلامٌ على رجال سلاح الهندسة الملكي، إذ ساروا إلى حيث يحجم غيرهم، فأطفؤوا من الشظايا شررها، ومن المواقع خطرها.

وسلامٌ على كل ضابط وضابط صف وجندي، أقام بين الأردن والعدوان جدارًا من الوفاء، لا تهدمه نار، ولا تثلمه مغامرة.

يا بلاد الفرس، ليست سماء الأردن ديوانًا تكتبون فيه ما تشاؤون، ولا أرضه رقعةً من رقاع صراعكم، ولا شعبه حطبًا لنار حساباتكم.

هذه أرضٌ هاشمية العهد.

وهذه سماءٌ عربية المجد.

وهذا جيشٌ إذا قال فعل، وإذا حمى أكمل، وإذا حضر غاب الخطر.

وهذا شعبٌ إذا أصبح الوطن هدفًا، صار كل بيت فيه موقعًا، وكل قلب راية، وكل مواطن خلف جيشه جنديًّا لا يُستدعى.

ثم ختم لسان الأردن مقامته فقال:

أرسلت بلادُ الفرس ثمانيةَ صواريخ مشحونةً بالنار، فردّها الجيش العربي ثمانيَ صحائفَ من العار؛ فبقي للأردن أمنُه، وللراية علوُّها، وللجيش مجدُه، ولم يبقَ لحكّام طهران إلا صواريخُ خرّت، وأوهامٌ مرّت، وفضيحةٌ لا يسترها بيانٌ ولا يطويها زمان.

مدار الساعة ـ