مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات برلمانيات جاهات واعراس وفيات مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

حساب من مصدر مجهول


حسين الرواشدة

حساب من مصدر مجهول

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ

‏تصوَّر؛ حساب من مصدر مجهول ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي تسريبات عن وقائع فساد، وتجاوزات في الادارة العامة، يحظى بمتابعة قطاع من الأردنيين، ويثير ضجة لدى الرأي العام، ويحرك التساؤلات والردود، وربما فرق التفتيش الرسمية أيضاً، لا يهم اسم المصدر أو هويته، ولا صحة أو عدم صحة المعلومات التي ينشرها، المهم: من هي المصادر المخفية التي تسرب هذه المعلومات، وما أهدافها، وكيف تولدت القابلية الشعبية للتفاعل معها وتصديقها دون تدقيق، والأهم لماذا غابت مراصدنا الرقابية عن هذه التجاوزات بانتظار من يكشفها عن بعد؟.

‏أعرف، لدينا جهات رقابية تراقب وتتابع وتحاسب، ديوان المحاسبة، مثلاً، يصدر تقريراً سنوياً، يتضمن معلومات عن التجاوزات والمخالفات المالية والإدارية، وهي بالآلاف، هو وغيره جزء من هذه المنظومة، أعرف، أيضاً، لدينا في الادارة العامة أخطاء مثل غيرنا، ولدينا فساد وتجاوزات ادارية بحاجة إلى مكافحة مستمرة، أعرف، ثالثاً، لدينا تجربة مع «الحبال السرية» التي تستخدم تسريب الملفات والمعلومات لأسباب مختلفة، سواء في إطار صراع النفوذ ومراكز القوى، أو تصفية الحسابات السياسية، لكن يبقى سؤال مهم: لماذا تخسر إدارات الدولة في مواجهة سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، مع أنها قادرة على المواجهة، وعلى المحاسبة، وعلى تصحيح ما يحدث من أخطاء ومن تسريبات؟.

ما عجز الآخرون عن فعله للاستقواء على بلدنا بأدوات الماضي، سواء في سياق محاولات زعزعة ثقة الأردنيين بدولتهم، أو سياق إنتاج وعي مزيف يتناسب مع استحقاقات المرحلة القادمة، ينجزونه، الآن، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، باعتبارها بديلاً أقوى من احتجاجات الشارع التي شهدناها في السنوات الماضية، المسألة لا تتعلق بالكشف عن الفساد أو أي تجاوزات أخرى، هذه مهمة الجهات الرسمية وقوى المجتمع المدني وأدواته، وإنما تتعلق - في هذا التوقيت وبالطريقة التي نتابعها - بتصدير انطباع عام أننا دولة عاجزة، كل مسؤول فاسد، كل إنجاز وهَمْ، كل إصلاح فشل، وهذا غير صحيح أبداً، الأردنيون يعرفون ذلك تماماً.

‏في إطار معركة الصراع على الصورة والرواية، وعلى الوعي أيضاً، يمكن أن ندقق بما جرى خلال الأيام المنصرفة من وقائع، وهي كلها تصب في هذا الاتجاه الذي أشرت إليه سلفاً، رواية النائب الذي صدر بحقه حكم قضائي في قضية لا علاقة لها بالسياسة، كيف تم إخراجها والترويج لها في إطار المظلومية، والتشكيك بمرفق القضاء، الحسابات التي تتناسل «كالأميبا» على وسائل التواصل لضرب وحدتنا الوطنية، وافتعال الصراعات على الهوية داخل مجتمعنا، صالونات الفجور السياسي التي تغذي نزعات الغضب لدى الأردنيين وتحرضهم على مؤسساتهم، هذه الوقائع وغيرها تتزامن مع غياب رواية رسمية ترد بقوة وإقناع، ومع اختفاء نخب عاقلة توجه النقاشات وتضبط بوصلتها، ومع تمدد حالة من الانتهازية السياسية أيضاً.

‏ما يحدث ليس صدفة أبداً، ولا يصب في مصلحة الدولة، ولا يخدم طموحات الأردنيين للإصلاح والعدالة، ومواجهة الفساد، ورفع مستوى حياتهم وتوفير العيش الكريم لهم، ما يحدث - كما شهدنا نماذج منه في تجارب بلدان حولنا- وراءه «حبال سرية»، وقطب مخفية، لها أجنداتها ومصالحها وأهدافها، ولها منصاتها وأذرعها التي تنفذ المطلوب، التوقيت مهم: اقتراب نهاية مخاضات الصراع على المنطقة، وإعادة توزيع الأدوار فيها، ما يجب أن ينتبه اليه الأردنيون، وأن يفكروا ويتصرفوا به، هو الحفاظ على الدولة / دولتهم، وحمايتها، ما عدا ذلك تفاصيل، يمكن النقاش أو الاختلاف حولها وفق القنوات المشروعة، ومن دون أي ضجيج.

مدار الساعة (الدستور الأردنية) ـ