مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات جاهات واعراس وفيات برلمانيات وظائف للأردنيين مجتمع أسرار ومجالس تبليغات قضائية مقالات مقالات مختارة مستثمرون شهادة الموقف أحزاب مناسبات جامعات بنوك وشركات خليجيات مغاربيات دين اخبار خفيفة ثقافة رياضة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

تحديث اقتصادي أم تكريس للإقصاء؟ رسالة علنية ومفتوحة إلى صناع القرار قبل انتخابات 2026


الدكتورة هبه حدادين

تحديث اقتصادي أم تكريس للإقصاء؟ رسالة علنية ومفتوحة إلى صناع القرار قبل انتخابات 2026

مدار الساعة ـ

إلى القائمين على ملف "التحديث الاقتصادي" في المملكة، والذين يضعون نصب أعينهم توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين...

من واقع تجربتي الميدانية اليومية، كإدارية لمؤسسة حقوقية وتاجرة أعيش هموم سوق مادبا، لا أنظر إلى قانون غرف التجارة لسنة 2003 كمجرد نصوص جامدة؛ بل أراه "جداراً فولاذياً" يحمي مصالح النخب التقليدية التي ترفض التغيير. إن غياب أي إشارة لـ "الكوتا النسائية" في هذا القانون ليس تفصيلاً إدارياً عابراً، بل هو عصب إقصائي يتعارض بشكل صارخ مع كل ما ننادي به من تحديث وتطوير، ويمنع النصف الأكثر ديناميكية من مجتمعنا الاقتصادي من الوصول إلى طاولة صنع القرار.

إن محاولات التبرير للبقاء على الوضع الحالي بالتشدق بمبدأ "التنافس الحر والكفاءة" هي مغالطة مكشوفة؛ ففي بيئة انتخابية تتحكم فيها الشبكات العشائرية والتحالفات الذكورية التاريخية، يتحول هذا المبدأ إلى مجرد أداة تجميلية لتكريس الهيمنة. عندما تكون آليات الوصول لمجلس إدارة الغرفة مفصلة على مقاس "النخبة المالية" التي تملك وحدها أدوات الضغط والتربيطات، فإن أي مرشحة—مهما بلغت كفاءتها ونجاح مشروعها—ستدخل الحلبة وهي مقيدة مسبقاً. إن المعيار الحقيقي في انتخابات الغرف اليوم ليس "الرخصة التجارية"، بل "شبكة العلاقات" التي بُنيت لعقود بعيداً عن النساء، فهل هذا حقاً هو الاقتصاد الحديث الذي نصبو إليه؟

نحن أمام مفارقة تضر بمصداقية مؤسساتنا؛ فالرؤية الملكية السامية للتحديث الاقتصادي تضع تمكين المرأة ودمجها في القيادة الاقتصادية كشرط أساسي للنمو، بينما تقبع الغرف التجارية (الذراع التنظيمي للقطاع الخاص) في حالة من "الجمود التمييزي". إن تساؤلنا مشروع: كيف يتقبل مسؤولو التحديث الاقتصادي استمرار استبعاد المكون النسائي عن المؤسسات التي تقر سياسات الضرائب، والرسوم، والتعرفة الجمركية، وتنظيم الاستيراد؟ إن صمت القانون على تمثيل المرأة لا يعبر عن "حياد"، بل هو سياسة فعلية بالامتناع لإبقاء القرار الاقتصادي حكراً على شريحة محددة، مما يجعل أي حديث عن بيئة أعمال تنافسية مجرد حبر على ورق.

إن المرأة صاحبة مشروع في مادبا، والكرك، والزرقاء، وعمان؛ تدفع رسوم الغرفة إجبارياً، وتتحمل عبء الضرائب، وتساهم بفاعلية في الناتج المحلي، لكنها عندما تطالب بالتمثيل، تُقابل بابتسامة ديبلوماسية وعبارات مطاطة مثل "الأبواب مفتوحة للجميع". نحن لا نبحث عن "أبواب مفتوحة" للدخول كضيوف، بل نطالب بـ "تعديل هيكلي" يفرض وجودنا كشريكات أساسيات. الكوتا النسائية ليست "منة" تُمنح للنساء، بل هي آلية تصحيحية ضرورية لضمان ألا تظل السياسات الاقتصادية حبيسة "المنظور الذكوري الأحادي" الذي يغفل عن تحديات رائدات الأعمال، ويقلل من شأن العقبات اللوجستية والقانونية التي تواجه المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تديرها نساء.

أمام استحقاق انتخابات الغرف التجارية المقبلة (2026)، تبرز هذه القضية كاختبار حقيقي لجدية الدولة في تحديث منظومتها الاقتصادية. إن استمرار تجاهل تمثيل المرأة يعني أننا نرسل رسائل متضاربة للسوق وللمجتمع الدولي، مفادها أننا نشجع على الاستثمار، لكننا لا نثق بالمرأة كصانعة قرار اقتصادي في مؤسساتها النقابية.

لا يمكن بناء "اقتصاد حديث" بمؤسسات تُدار بـ "عقلية الأمس". إن المطلوب اليوم ليس ترفاً قانونياً، بل استحقاق وطني يفرضه منطق التطور، وذلك عبر تدخل تنظيمي عاجل بتعديل الأنظمة والتعليمات التنفيذية للانتخابات لفرض نسبة تمثيل نسائي (كوتا) تضمن حضور المرأة في مراكز القرار، وإلغاء المعايير المالية الإقصائية التي ربطت حق الانتخاب بـ "رأس المال المسجل"، لضمان إشراك القطاع الأوسع من التجار (المؤسسات الصغيرة والمتوسطة) التي تشكل عصب الاقتصاد.

إن غرف التجارة يجب أن تكون "بيتاً لكل التجار"، تعكس تنوع الاقتصاد الأردني وقوته، لا أن تتحول إلى "دوائر مغلقة" لا تمثل إلا من يملك نفوذ الأمس. إن تنفيذ توجيهات سيد البلاد في التحديث الاقتصادي يبدأ من كسر هذه الاحتكارية، وتحرير نصف الطاقة الاقتصادية للأردن من قيود الإقصاء.

مدار الساعة ـ