مونديال 2026 اقتصاديات أخبار الأردن دوليات وفيات برلمانيات جاهات واعراس مجتمع وظائف للأردنيين مقالات مقالات مختارة أسرار ومجالس تبليغات قضائية الموقف أحزاب مناسبات مستثمرون شهادة جامعات دين بنوك وشركات خليجيات مغاربيات ثقافة رياضة اخبار خفيفة سياحة صحة وأسرة تكنولوجيا طقس اليوم

لماذا ارتفعت كلفة الناقل الوطني؟


سلامة الدرعاوي

لماذا ارتفعت كلفة الناقل الوطني؟

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ

كلما طُرح مشروع الناقل الوطني للنقاش، عاد السؤال ذاته إلى الواجهة: كيف ارتفعت كلفته إلى هذه المستويات؟ وهل يعني ذلك أن المشروع أصبح أكثر كلفة من المخطط له، أم أن ما يُنفذ اليوم يختلف أساسًا عما كان مطروحًا قبل عقد من الزمن؟

الحقيقة أن المقارنة التي يجريها كثيرون بين أرقام عام 2016 والأرقام الحالية ليست دقيقة من الناحية الفنية، لأنها تقارن بين فكرتين مختلفتين، لا بين مرحلتين من المشروع نفسه.

في عام 2016، وبعد نحو عامين فقط من التشغيل التجاري لمشروع الديسي، كانت الفكرة المطروحة تتمثل بإنشاء خط ناقل للمياه بين جنوب المملكة وشمالها، بحيث يتم نقل المياه بين المحافظات وتعزيز مرونة الشبكة المائية، وآنذاك، كان الحديث يدور حول خط ناقل فقط، ولم يكن المشروع يتضمن إنشاء مصدر جديد للمياه، ولا محطة تحلية، ولا منظومة إنتاج متكاملة.

أما المشروع الذي وصل اليوم إلى مراحله النهائية قبل الإغلاق المالي، فهو مشروع مختلف كليًا من حيث الحجم والمكونات والنتائج المتوقعة، فهو لا يقتصر على نقل المياه، وإنما يبدأ بإنتاج المياه نفسها من خلال تحلية مياه البحر الأحمر، ثم نقلها عبر منظومة ضخ وأنابيب عملاقة إلى مختلف المحافظات، بما يوفر نحو 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة سنويًا، أي ما يقارب 40 بالمائة من احتياجات المملكة من مياه الشرب.

وهذا الفارق وحده يفسر جانبًا كبيرًا من الزيادة في الكلفة، لأن المشروع انتقل من كونه "خط نقل" إلى مشروع متكامل يجمع بين مصدر إنتاج جديد للمياه ومنظومة نقلها وتوزيعها.

ولم يتوقف التطور عند هذا الحد، إذ أضيفت إلى المشروع مكونات لم تكن موجودة في التصور الأولي، وفي مقدمتها محطة للطاقة الشمسية، وهذه الإضافة لم تكن قرارًا عشوائيًا، إنما جاءت نتيجة متطلبات بيئية وضعتها الجهات التمويلية والمؤسسات الدولية المشاركة في التمويل، إلى جانب توجهات وزارة البيئة الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية وتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

ومن المعروف أن محطات التحلية من أكثر المشاريع استهلاكًا للطاقة، وبالتالي فإن إدخال الطاقة المتجددة ضمن المشروع لا يحقق فقط أهدافًا بيئية، لكن يسهم أيضًا في تخفيض الكلف التشغيلية على المدى الطويل، ويعزز استدامة المشروع بعد بدء تشغيله.

إلى جانب اختلاف المكونات، هناك عامل اقتصادي لا يمكن تجاهله، وهو التضخم العالمي الذي شهدته الأسواق خلال السنوات الماضية، فمنذ عام 2016 وحتى اليوم ارتفعت أسعار الحديد والفولاذ والإسمنت والأنابيب والمضخات والمعدات الكهربائية، كما ارتفعت كلف النقل البحري والبري، وأسعار الوقود والطاقة، وتأثرت سلاسل التوريد العالمية بجائحة كورونا، ثم بالحرب الروسية الأوكرانية، وصولًا إلى التوترات الإقليمية الأخيرة.

ومن المهم أيضًا إدراك أن المشاريع الإستراتيجية الكبرى لا تُبنى دفعة واحدة، لكن تمر بسلسلة طويلة من الدراسات والإجراءات قبل الوصول إلى التنفيذ، فمشروع الناقل الوطني خضع لدراسات الجدوى الاقتصادية، ودراسات القيمة مقابل المال، والدراسات البيئية والهندسية والفنية، إلى جانب مراجعات متواصلة للتصميمات وآليات التمويل، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى تطوير المشروع وإضافة عناصر جديدة كلما أظهرت الدراسات الحاجة إليها.

وفي المحصلة، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على مقارنة أرقام متباعدة زمنيًا، لكن يجب أن ينطلق من فهم طبيعة المشروع نفسه، وهو ما يوجب تقييم المشروع في ضوء أثره الإستراتيجي على الأمن المائي، وليس من خلال رقم الكلفة وحده.

مدار الساعة (الغد الأردنية) ـ