قبل أيام طلب رئيس الوزراء من وزير العمل تقديم استقالته، على خلفية ما أثير بشأن تضارب مصالح وشبهة مخالفة لقواعد السلوك، وهذه الواقعة اعادت طرح سؤال دستوري وسياسي يتجاوز حدود الواقعة ذاتها إلى جوهر العلاقة بين المسؤولية السياسية والأثر الدستوري: من خلال السؤال هل يفقد الوزير صفته الوزارية بمجرد الطلب السياسي الموجه إليه، أم أن زوال مركزه القانوني والدستوري لا يتحقق إلا عبر الأداة التي رسمها الدستور وحدد آثارها على نحو صريح؟
في تقديري، إن الخلط بين المجال السياسي والمجال الدستوري هو ما يربك النقاش العام في مثل هذه الحالات. فليس كل موقف سياسي ينتج أثراً دستورياً، وليس كل مطالبة بالاستقالة تعني أن الصفة الوزارية قد زالت فعلاً. ذلك أن الوزير في النظام الدستوري الأردني لا يستمد صفته من الرضا السياسي العابر، ولا يفقدها بمجرد تراجع هذا الرضا أو اهتزاز الثقة به داخل الفريق الحكومي، بل يستمدها من أحكام الدستور، ولا تزول عنه إلا وفق الطريق الدستوري ذاته.ولا خلاف أن مدونات السلوك وقواعد الشرف الوظيفي أصبحت جزءاً من منظومة الحكم الرشيد في الدولة الحديثة، وهي لا تنصرف إلى السلطة التنفيذية وحدها، بل تمتد إلى مختلف السلطات العامة. فمنذ عام 2010 عرفت الحكومات الأردنية ميثاق شرف لقواعد السلوك الوزاري، كما أن للسلطة القضائية مدونة لقواعد السلوك القضائي، وللسلطة التشريعية ممثلة بمجلس النواب مدونة للسلوك النيابي. وهذه المدونات تؤدي وظيفة مؤسسية مهمة في ترسيخ مبادئ النزاهة والشفافية، وتعزيز الثقة العامة بين المواطن والمؤسسات، وتحصين الوظيفة العامة من تضارب المصالح وسوء استعمال السلطة. إلا أن قيمتها التنظيمية والأخلاقية، على أهميتها، لا تعني أنها تنشئ بذاتها سبباً دستورياً مستقلاً لفقدان الصفة الوزارية، ولا تجعل من مجرد الاشتباه بمخالفتها أو حتى ثبوت مخالفتها سبباً كافياً لسقوط المنصب بصورة تلقائية.ومن هنا، فإن طلب رئيس الوزراء من وزير ما تقديم استقالته، مهما حمل من دلالة سياسية ومهما عكس من موقف حكومي تجاه الوزير، لا يعد بذاته قراراً منشئاً لإنهاء الولاية الوزارية ، ولا يرتب بمجرده أثراً قانونياً يطيح بالمركز الدستوري للوزير. فالطلب، في جوهره، موقف سياسي من رئيس الحكومة تجاه أحد أعضاء مجلس الوزراء، وقد يكون مقدمة لإخراجه من الحكومة أو تحميله مسؤولية سياسية أو أخلاقية، لكنه لا يرقى وحده إلى مرتبة الأداة الدستورية اللازمة لإنهاء الصفة الوزارية. والقول بغير ذلك يعني التسليم بأن المراكز الدستورية يمكن أن تزول بطلب سياسي أو بضغط إعلامي أو بانطباع عام ، وهو أمر لا يستقيم مع منطق الدولة الدستورية ولا مع استقرار مؤسساتها.الدستور الأردني لم يترك مسألة انتهاء صفة الوزير للتقدير السياسي المجرد، وإنما نظمها ضمن إطار واضح يحدد الحالات التي يفقد فيها الوزير صفته. فالوزير لا يخرج من منصبه لمجرد أن رئيس الوزراء طلب منه الاستقالة، بل يفقد صفته إذا قدم استقالته فعلاً وقبلت بالإرادة الملكية، أو إذا أقيل، أو إذا اعتبر مستقيلاً حكماً نتيجة استقالة رئيس الوزراء أو إقالته بما يترتب عليه استقالة الحكومة بأكملها، أو إذا حجبت الثقة عنه وفقاً للآليات الدستورية المقررة، وذلك وفقاً لأحكام المواد (35) و(50) و(53) و(54) من الدستور. وهذه الحالات ليست مجرد تفصيل إجرائي، بل هي جوهر الضمانة الدستورية في إدارة الولاية العامة؛ لأن من يتولى المنصب وفق الدستور لا يخرج منه إلا بالدستور.وعليه، فإن الوزير الذي يطلب منه تقديم استقالته ثم لا يقدمها، أو يقدمها دون أن تقترن بقبولها وفق الأصول الدستورية، يبقى وزيراً كامل الصفة والصلاحية والمركز القانوني. فلا تنتهي صفته بمجرد الطلب، ولا تزول ولايته لمجرد شيوع خبر الاستقالة أو تداولها أو توقعها، لأن العبرة في القانون الدستوري ليست بالمناخ السياسي المحيط بالمنصب، وإنما بتحقق الواقعة الدستورية المنشئة للأثر القانوني ،والتمييز هنا جوهري بين المسؤولية السياسية وزوال الصفة الدستورية: فالأولى قد تبدأ بطلب الاستقالة أو بتحميل الوزير المسؤولية أو بانتقاده علناً، أما الثانية فلا تتحقق إلا إذا اكتمل سببها الدستوري على نحو صريح وواضح ووفق الإجراءات الدستورية.وهنا تحديداً تظهر قيمة الشكل الدستوري بوصفه ضمانة لا مجرد إجراء، فالدستور لا يعنى فقط بتنظيم كيفية تولي منصب الوزارة ، بل كذلك بكيفية انتهائه، لأن وضوح لحظة بدء الولاية ولحظة انتهائها جزء من استقرار الدولة واحترام مبدأ المشروعية. وإذا جاز أن يقال إن الوزير فقد صفته لمجرد طلب استقالته، دون استقالة مقبولة أو إقالة أو حجب ثقة أو استقالة حكومة، فإننا نكون قد نقلنا إنهاء المراكز الدستورية من ساحة النصوص والمكنة الدستورية إلى ساحة الانطباعات السياسية، وجعلنا من المجال الإعلامي أو السياسي بديلاً عن الأداة الدستورية وحكم الدستور وشكل النظام السياسي، وهو ما لا ينسجم مع دولة المؤسسات وسيادة القانون والدستور.والأهم من ذلك أن بقاء الوزير في موقعه إلى حين استكمال الأداة الدستورية اللازمة لإنهاء صفته ليس امتيازاً شخصياً له، ولا حماية لفرد بقدر ما هو حماية للنظام العام الدستوري نفسه، فالمراكز الدستورية لا يجوز أن تبقى معلقة بين الوجود والعدم، ولا أن تصبح رهينة التكهنات أو التسريبات أو الرغبات السياسية غير المكتملة دستورياً. لذلك فإن الوزير، ما لم تصدر الإرادة الملكية بقبول استقالته أو بإنهاء صفته وفق الأصول، يظل من الناحية الدستورية وزيراً قائماً بوظيفته، وتبقى قراراته وأعماله مستندة إلى مركز قانوني صحيح، بصرف النظر عن مستوى الجدل السياسي الدائر حول استمراره في الفريق الوزاري من عدمه، وهذا ما كان في حالة وزير العمل ،والذي حتى تاريخ نشر هذا المقال، لم تصدر الإرادة الملكية السامية بقبول استقالته، الأمر الذي يعني استمرار مركزه القانوني والدستوري وفقاً لأحكام الدستور .إن جوهر المسألة هنا ليس الدفاع عن شخص الوزير أو عن بقائه في الحكومة، وإنما الدفاع عن فكرة الدولة الدستورية ذاتها. فمن حق رئيس الوزراء سياسياً أن يطلب من أي وزير الاستقالة، وأن يعيد تقييم فريقه الوزاري، وأن يحمل أعضاء حكومته المسؤولية السياسية والأخلاقية عن أعمالهم وأفعالهم. لكن هذا الحق السياسي، مهما بلغت أهميته، لا يغني عن الطريق الدستوري، ولا يحل محله، ولا ينتج وحده أثراً قانونياً بإنهاء الصفة الوزارية. فالموقع الوزاري ليس وظيفة سياسية سائبة، وإنما مركز دستوري منظم بقواعد واضحة، تبدأ بالإرادة الملكية ولا تنتهي إلا بها وفق أحكام المادة (35) من الدستور.إن الأصل الدستوري المستقر يقضي بأن الوزير لا يفقد منصبه بالطلبات السياسية، ولا يسقط مركزه الدستوري بالحديث العام أو بالنشر أو بالتداول الإعلامي، وإنما يفقد صفته فقط عندما تتحقق إحدى الحالات التي رسمها الدستور صراحة: استقالة مقبولة، أو إقالة، أو استقالة الحكومة أو إقالتها، أو حجب الثقة. وما عدا ذلك يبقى في نطاق السياسة وتقديراتها، لا في نطاق الأثر القانوني الملزم والدستوري وهذه ليست مسألة شكلية، بل قاعدة لازمة لصون هيبة النص الدستوري، وحماية استقرار المؤسسات والسلطات، ومنع اختلاط المجال السياسي بالمجال القانوني والدستوري على نحو يربك الدولة ويشوش على الراي العام .متى يفقد الوزير مركزه القانوني والدستوري
مدار الساعة ـ