اعتدنا أن نبحث عن الفساد في الحسابات المصرفية، والعطاءات المشبوهة، والعمولات، والقرارات التي تحمل توقيعاً واضحاً. وكأن الفساد لا يكون فساداً إلا إذا ترك وراءه وثيقة، أو تحويلاً مالياً، أو شاهداً مستعداً للكلام. لكنني أرى أن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسهل إثباته، بل ذلك الذي يُرتكب بذكاء شديد، فلا يترك دليلاً، ولا يضع صاحبه في دائرة الاتهام، وربما يمنحه مع مرور الوقت مزيداً من المكانة والاحترام.
هذا الفساد لا يحتاج دائماً إلى رشوة. قد يبدأ بمكالمة هاتفية قصيرة، أو توصية غير مكتوبة، أو اجتماع مغلق لا يُدوَّن في محضره ما قيل فعلاً. يُستبعد شخص كفؤ من موقع يستحقه، ويُقدَّم شخص أقل كفاءة لأنه محسوب على جهة أو قريب من صاحب نفوذ. لا توجد ورقة تقول إن الاختيار تم بالمحاباة، ولا يوجد قرار يعترف بأن المعايير جرى تفصيلها على مقاس شخص بعينه. كل شيء يبدو سليماً من الخارج، لكن النتيجة تكون قد حُسمت قبل أن تبدأ الإجراءات.وقد يظهر هذا النوع من الفساد في عطاء صيغت شروطه بصورة لا تسمح بالمنافسة إلا لشركة محددة، أو في لجنة اختير أعضاؤها بعناية لضمان النتيجة المطلوبة، أو في تقرير فني كُتب بلغة مرنة تحتمل أكثر من تفسير. الأوراق هنا مكتملة، والتواقيع موجودة، والإجراءات تبدو قانونية، لكن الحقيقة أن القانون استُخدم غطاءً لاختيار غير نزيه. وهذا أخطر من مخالفة القانون بشكل مباشر؛ لأن المخالفة الصريحة يمكن كشفها، أما الانحراف المحمي بالشكل القانوني فيصعب الوصول إليه.وهناك فساد أكثر هدوءاً يتمثل في قتل القرارات دون إصدار قرار برفضها. يُترك الملف في الأدراج، ويُطلب من صاحبه المزيد من الأوراق، ويُنقل بين اللجان، ويُؤجل الاجتماع مرة بعد أخرى، حتى تضيع الفرصة أو ينسحب المستثمر أو يفقد المواطن حقه. لا أحد أصدر قراراً مخالفاً، ولا أحد وقّع على رفض غير مشروع، لكن النتيجة تحققت: تم تعطيل الحق أو المشروع لمصلحة طرف آخر. ومن الصعب أن تُحاسب شخصاً على قرار لم يتخذه، مع أن الامتناع المتعمد عن القرار قد يكون أحياناً أشد ضرراً من القرار الفاسد نفسه.وأخطر ما في هذا الفساد أن مرتكبيه لا يظهرون دائماً في صورة الفاسدين. قد يكونون أصحاب خطاب وطني رنان، ويحظون بعلاقات اجتماعية واسعة، ويجلسون في الصفوف الأولى، ويتحدثون عن النزاهة والإصلاح، وتُفتح أمامهم المنابر والمجالس. إنهم لا يحملون الأموال في حقائب، ولا يكتبون تعليمات صريحة، بل يديرون المصالح من وراء الستار، ويوزعون الفرص والامتيازات والنفوذ دون أن تلمس أيديهم شيئاً يمكن تقديمه أمام المحكمة.بل إن بعضهم يصنع حول نفسه حصانة اجتماعية وأخلاقية. يصبح مجرد السؤال عن قراراته نوعاً من الجرأة غير المقبولة، ويُفسَّر نقده على أنه استهداف لشخصه أو تاريخه أو موقعه. وهكذا يتحول الاعتبار الاجتماعي من قيمة محترمة إلى جدار يحجب المساءلة. وكلما ارتفعت مكانة الشخص، أصبح الناس أكثر تردداً في مساءلته، مع أن المواقع العليا ينبغي أن ترفع مستوى المحاسبة لا أن تخفضه.هذا النوع من الفساد لا يسرق المال العام دائماً بصورة مباشرة، لكنه يسرق ما هو أخطر: يسرق العدالة في توزيع الفرص، ويطرد الكفاءات، ويُضعف ثقة الناس بالدولة، ويجعل الشاب يعتقد أن العلم والاجتهاد لا يكفيان، وأن الطريق إلى الموقع يمر عبر العلاقات لا الاستحقاق. وعندما تستقر هذه القناعة في المجتمع، تصبح الخسارة أكبر من قيمة أي مبلغ مالي؛ لأن الدولة تكون قد خسرت إيمان مواطنيها بعدالة مؤسساتها.المشكلة أن أدوات الرقابة التقليدية تبحث غالباً عن الجريمة بعد وقوعها: أين المال؟ من وقّع؟ من قبض؟ لكن الفساد الحديث أكثر تعقيداً. إنه يعمل من خلال تضارب المصالح، وشبكات النفوذ، والتأثير غير الرسمي، وتفصيل المعايير، والتسويف المتعمد، والتوجيه الشفهي. لذلك فإن مكافحته لا تكون فقط بتشديد العقوبات، بل بإجبار القرار العام على أن يكون مسبباً، وقابلاً للمراجعة، وبإعلان معايير التعيين والاختيار، وتوثيق الاجتماعات المؤثرة، والكشف عن المصالح والعلاقات التي قد تؤثر في حياد المسؤول.أنا لا أدعو إلى إدانة الناس بالظنون، ولا إلى تحويل كل علاقة أو توصية إلى تهمة. فالاتهام بلا دليل ظلم لا يقل خطورة عن الفساد نفسه. لكن غياب الدليل الجزائي لا يعني دائماً سلامة السلوك الإداري أو الأخلاقي. هناك مساحة واسعة بين الجريمة المثبتة والنزاهة الحقيقية، وفي هذه المساحة يختبئ الكثير من الانحراف الذي لا تصل إليه المحاكم، لكنه يهدم المؤسسات من الداخل.الفساد الذي نراه يمكن أن نحاربه، والمال الذي يُسرق يمكن أن نسعى إلى استعادته، والمسؤول الذي يخطئ علناً يمكن مساءلته. أما الفساد الذي يتخفى خلف الوجاهة، والإجراءات المكتملة، والكلمات المنمقة، فهو الأخطر؛ لأنه لا يسرق الدولة فقط، بل يقنعها بأن كل شيء يسير وفق القانون، بينما تكون العدالة قد ذُبحت بصمت.أخطر أنواع الفساد هو الذي لا يترك دليلاً
مدار الساعة ـ